«السويسي» ليس رقماً!
أتصفح موقع فيسبوك وتحديداً المقاطع المصورة القصيرة، وبعد يوم عمل طويل فى محاولة لـ«فصل الدماغ» قبل النوم، يخرج أمامى مقطع لشاب تدرك من الوهلة الأولى أنه من أم الدنيا بملامحه المصرية التى لا تخطئها عين.
من لهجته المصرية تدرك أنه من إحدى محافظات الوجه البحرى. تقف بجواره طفلة، سنعرف لاحقاً أنها ابنته ولكن بملامح أوروبية، وهى ترقص على أغنية «سطلانة»، والتعليقات تقول للرجل: «عيب يا سويسى بتعلم بنتك الرقص بدل ما تعلمها حاجة مفيدة!».
ينتهى هذا المقطع لتظهر بعده مقاطع من صفحات أخرى تظهر عشوائياً، ثم يظهر مرة أخرى مقطع لهذا «السويسى» مع زوجته الأوروبية وهى تتحدث العربية على طريقة الخواجاية التى تزوجت عبدالوهاب البرعى فى مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى» أو «هيلجا» فى فيلم «النمر الأسود».. إذن من هذا الرجل؟
أريد أن أنام ولكن الفضول تمكن منى وجعلنى أستمر فى تصفح صفحة «السويسى» وأغوص فى محتواه الذى يشبه -ظاهرياً- محتوى الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعى، ولكنه ليس كالكثيرين!
يحكى «السويسى» فى أحد فيديوهاته عن رحلته لإيطاليا عبر الهجرة غير الشرعية عندما كان عمره لا يتجاوز خمسة عشر عاماً منذ أكثر من ١٤ سنة. يروى لنا بتلقائية وبساطة ومرارة رحلته فى البحر من الإسكندرية إلى شواطئ إيطاليا التى استمرت سبعة أيام، وكيف تم القبض عليه، ولكن لأنه لم يتجاوز السن القانونية تم إدخاله مدرسة كى يتعلم حرفة. يظن متابعوه أنه «ياما هنا ياما هناك»، ويرد السويسى ويؤكد وينصح بأنه ليس هناك أسوأ من هذا المسار الذى سلكه رغماً عنه. كنت كمن يشاهد مسلسلاً درامياً، لكنه هذه المرة واقعى للغاية وليس دراما!
فى عام ٢٠١٦ نشرت الصحف المصرية خبراً عن ضحايا مركب هجرة غير شرعية تجاوز عددهم مئتى غريق. أطالع الأرقام، ولكنها ليست سوى أرقام بالنسبة لى. أتعاطف مع مَن ماتوا، أو بمعنى أدق أتعاطف مع هذا العدد المذكور، ولكننى لا أعرفهم، لا أعرف شيئاً عن حياتهم، وعلى أفضل تقدير قد أتعاطف معهم عندما أراهم يتحدثون عن تجاربهم سريعاً فى تقرير لا تتجاوز مدته دقيقتين فى نشرة الأخبار.
ما فعله «السويسى» هو أنه جعلنى أدرك أنه ليس رقماً، هذا الشاب له أحلام، ولديه مسئوليات، يحافظ على هويته فى إيطاليا ولا يكل من نصح متابعيه من الشباب الراغبين فى الالتحاق به.
فالرجل ينقل تفاصيل حياته اليومية من إيطاليا التى يعيش فيها، نشاهد علاقته بزوجته الرومانية التى لم يتزوجها للحصول على جنسية وإنما لأنه أحبها. تشاهده مع ابنته وابنة زوجته وهو يلعب معهما كأى أب يدرك أنه مسئول عن أسرته. يصور نفسه وهو يعمل فى النقاشة والدهانات وينصح «حب ما تعمل علشان مفيش شغل، أهم حاجة الشغل يكون حلال».
أعلنت مصر أنه بدءاً من يناير ٢٠٢٤ سيمنع سفر القصر تحت سن الثمانية عشر عاماً دون ذويهم خارج البلاد إلا بعد الحصول على إذن مسبق، وذلك فى إطار مكافحة الهجرة غير الشرعية.
أما وزارة الهجرة فاستعرضت مجهوداتها فى توعية ٢ مليون شاب لمواجهة خطر الهجرة غير الشرعية عبر حملات طَرق الأبواب. أتمنى أن تضم وزارة الهجرة «السويسى» كنموذج حى للشاب البسيط ليحكى تجربته للشباب الذين ما زالت أحلام الهجرة تطاردهم لعلهم يستفيدون.
منذ أيام نشر حساب الدورى الإيطالى تحية للسويسى مستخدماً تعليقاته الشهيرة عن القهوة والكرواسون، وعلق السويسى على هذا الفيديو بأن الصفحة تواصلت معه وعرضت عليه تذكرتين لحضور مباراة من مباريات الدورى الإيطالى، إلا أنه اعتذر لأنه «عنده شغل»!