الأحزاب.. ما لها وما عليها (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

لا يتفق واقع الحياة الحزبية فى مصر مع تاريخها الذى يقترب من الـ150 عاماً، وترتبط حركة الأحزاب ونشاطها صعوداً وهبوطاً بما يحيط بها من أجواء سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، ولا ينفصل كل ذلك فى كل الأوقات عن نظرة الحاكم سواء كان خديوى أو سلطاناً أو ملكاً أو رئيساً للأحزاب، ومدى قناعته بدورها فى منظومة الحكم.

ويرى المؤرخون أن عام 1907 هو عام نشأة الأحزاب الحقيقية فى مصر، فيما يرى البعض منهم أن عام 1879 هو البداية الفعلية للتجربة مع تأسيس العرابيين للحزب الوطنى (أول الأحزاب السياسية فى تاريخ مصر)، وكان فى جوهره يمثل تكتلاً جبهوياً لمقاومة النفوذ الأجنبى، وإنقاذ البلاد من الإفلاس، وانتهى الحزب تماماً بعد أقل من ثلاث سنوات، بالاحتلال الإنجليزى لمصر عام 1882، ونفى العرابيين للخارج.

وشهد عام 1907 تأسيس عدد كبير من الأحزاب، كان أسبقها الحزب الوطنى الحر، فى 26 يوليو من العام نفسه، وتغير الاسم فيما بعد إلى حزب الأحرار، وكان موالياً للاحتلال البريطانى، كما كانت جريدته «المقطم» هى لسان حال سلطات الاحتلال، وفى عام 1910 تم سجن مؤسسه (محمد وحيد بك الأيوبى) بعد إدانته فى قضية تبديد أموال، وانتهى الحزب من الوجود، بعد أقل من ثلاث سنوات أيضاً.

وفى 21 سبتمبر من العام نفسه (1907) تم تأسيس حزب الأمة، على يد كبار ملاك الأراضى الزراعية، وكبار العائلات، وعدد من أبرز رجال السياسة والقانون والصحافة، من بينهم أحمد لطفى السيد، وعلى شعراوى باشا، وعبدالعزيز فهمى بك، وتبنى الحزب الفكر الليبرالى.

وأسس الشيخ على يوسف صاحب جريدة «المؤيد» حزب الإصلاح، وكان موالياً للخديوى عباس حلمى الثانى، وانتهى الحزب بوفاة مؤسسه سنة 1913.

وظهر على السطح الحزب الوطنى، الذى أسسه مصطفى كامل، ووضع قضية الاستقلال على رأس برنامجه، وبعد وفاة مؤسسه سنة 1908، انتقلت زعامته إلى محمد فريد الذى أكسبه أبعاداً اجتماعية، بالاهتمام بتأسيس النقابات العمالية والتعاونيات ومدارس الشعب وغيرها من المشروعات، ولم ينتهِ الحزب بعد وفاة محمد فريد فى المنفى سنة 1919، واستمر نشاطه (المحدود) إلى أن تم حل الأحزاب السياسية فى يناير 1953 بعد شهور قليلة من قيام ثورة 23 يوليو 1952.

وتأسس حزب الوفد أيضاً عام 2018، وبعد ما انفجرت ثورة 1919 أخذ موقعه كحزب جماهيرى واسع الانتشار، وظهر إلى جانبه الأحزاب المنشقة عليه، وهى الأحرار الدستوريين (1922)، والحزب السعدى (1937)، وحزب الكتلة الوفدية (1942).

وشهدت تلك الفترة أيضاً ظهور الحزب الشيوعى المصرى (1922)، وحزب مصر الفتاة (1933).

وكما نرى الآن، كان للأحزاب الورقية نصيب من الذكر، دون وجود حقيقى على أرض الواقع، ومن بينها الحزب الوطنى الذى انضم بعد تأسيس مصطفى كامل للحزب الوطنى الحقيقى إلى حزب الإصلاح على المبادئ الدستورى، وكذلك الحزب الجمهورى، والحزب المصرى، وحزب العمال، وحزب النبلاء، والحزب الاشتراكى المبارك، والحزب الدستورى الذى انتهى وجوده عام 1911، بعد عام واحد من تأسيسه على يد إدريس راغب.

وصدر دستور عام 1923 الذى مثل إطاراً دستورياً وقانونياً للحياة السياسية فى هذه المرحلة، واستمر العمل به حتى تم إلغاؤه صدور دستور جديد للبلاد عرف بدستور 1930، واستمر 5 سنوات فقط، حتى ألغاه الأمر الملكى من الملك فؤاد الأول عام 1935، والعودة لدستور عام 1923، الذى استمر إلى أن ألغاه مجلس قيادة ثورة يوليو فى 10 ديسمبر 1952.

ورغم تزايد عدد الأحزاب على تعدد توجهاتها بين أحزاب وطنية، وأخرى عميلة للاحتلال، وغيرها اعتبرت القصر الملكى قبلتها الوحيدة، فإن نشاط كل منها وحركته، ارتبط دائماً بالإرادة السياسية، سواء كانت إرادة المندوب السامى الإنجليزى، أو الملك فؤاد ومن بعده سلفه فاروق، وعلى الأرض كان لحزب الوفد شعبيته الكبيرة، وسط مناخ سياسى ديمقراطى الشكل، ولم يقوَ الحزب -وغيره- على مقاومة تدخلات القصر لتزوير الانتخابات ضده، أو حتى تدخل لصالحه فى حادث 4 فبراير 1942، عندما قامت القوات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين، وإجبار السفير البريطانى فى القاهرة (السير مايلز لامبسون) للملك فاروق على استدعاء مصطفى النحاس (زعيم الوفد) لتشكيل الحكومة.

وانتهت المرحلة الأولى للتعددية الحزبية فى مصر بقيام ثورة يوليو 1952، و قرار مجلس قيادتها فى سبتمبر عام 1953، بحل الأحزاب السياسية القائمة، وحظر تكوين أحزاب جديدة.

ونستكمل فى المقال التالى.