«الهوية الأرابيسكية»

سارة حازم طه

سارة حازم طه

كاتب صحفي

فى مسلسل أرابيسك عام ١٩٩٤ للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة يدور حوار بديع بين بطلى المسلسل الأستاذ وفائى والدكتور برهان حول الهوية المصرية:

- وتفتكر عوامل الاختلاف هتدوب لصالح أنهى ثقافة

- بالتأكيد لصالح الثقافة الأقوى

- ثقافتنا إحنا يعنى. تفتكر يا سيد وفائى ثقافتنا إحنا الأقوى فعلاً؟

- طبعاً لأن شخصيتنا هى الأقوى

- إزاى بقى؟

- زى ما حصل من ٣٠٠٠ سنة لغاية دلوقتى، شوف كام ثقافة دخلت لنا وماقدروش يغيروا ثقافتنا «هكسوس وفرس ويونان ورومان وعرب ومماليك وأتراك وإنجليز وفرنسيين» لو الشخصية المصرية كانت ضعيفة كانت اتمسخت وضاعت وبقينا جنس تانى، لكن مصر دى «معدة» مابتطردش أى ثقافة دخيلة، بالعكس كانت بتاخدها وتفرز لها عصارة تهضمها وإنزيمات تحولها لجزء من نفس نسيجها.

أتذكر هذا المشهد الذى يلخص ببساطة عظمة مصر وتفرّدها فى استيعاب كل الثقافات والأعراق التى مرت بها على مر الزمان وأنا أتابع الحملة غير المفهومة التى تدعو إلى مقاطعة الجاليات الأخرى فى مصر، بل وطردهم أيضاً! للأسف هذه الحملة التى تبدو منظمة وممنهجة ليست الأولى فى السنوات الأخيرة، والمؤسف أن البعض يروّج إلى أنها توجّه من الدولة المصرية، ومصر بريئة تماماً من هذا الادعاء.

«الزينوفوبيا» هو مصطلح يعنى كراهية الأجانب أو الخوف منهم. ترفض هذا الأجنبى فقط، لأنه مختلف عنك فى العرق أو الثقافة، وتتعامل مع أى تصرّف يصدر منه باعتبار أنه مؤامرة ضد الوطن، وأن هذا الأجنبى سيغير تركيبة المجتمع بعاداته وثقافته التى أحضرها معه.

ولا أعرف كيف لأحد أن يتصور أن مصر التى تتفرّد فى استيعاب كل الثقافات من الممكن أن تتغير تركيبتها السكانية والثقافية.

بل وصل الأمر بالبعض إلى تصوير أن ظروفنا الاقتصادية تأثرت سلباً بسبب الأجانب، فهم يشاركوننا فى الناتج المحلى ويحصلون على فرص كنا نستحقها نحن، ولكن الواقع يقول إن هذا الأجنبى يستثمر وينتج فى بلدك، يفتح فرص عمل ونستفيد نحن من وجوده.

بل دعنى أذكّرك بأنه فى بعض الأحيان نجد من يستغلون الأزمة برفع إيجارات وأسعار سلع، فقط لأنهم يجدون الأجانب على استعداد لدفع ثمن أعلى!

المجتمع المصرى قائم بالفعل على التنوع عبر مئات السنين، ومحاولة إيجاد أطر حادة لمن هو مصرى ومن هو غير مصرى، وإيجاد عوامل لنقاء العنصر المصرى هى عملية مستحيلة.

ولذلك فهذه الأصوات المعادية، التى قد تعتقد للوهلة الأولى أنها اتجاه عام، لا تتعدى مواقع التواصل الاجتماعى، فغالبية المجتمع المصرى تفخر بهذا التنوع وتُرحب به، بل وتستنكر العنف الذى يحدث فى بعض البلدان تجاه من لجأوا إليها هرباً من حروب دائرة فى بلادهم. ونعتز بأنه لا توجد لدينا مخيمات للاجئين.

فى كتاب (الأعمدة السبعة للشخصية المصرية) للمفكر الراحل ميلاد حنا، يتحدث عن تأثير الجغرافيا والتاريخ فى تكوين الشخصية المصرية وكيف مرّت مصر بسبع حضارات مختلفة انصهرت جميعها وظلت مصر فى النهاية تحتفظ بشخصيتها وخصوصيتها وطابعها المميز. فهى لا تفقد هويتها مهما تعرّضت لمؤثرات خارجية أو ثقافات أخرى، حتى إن بدا ذلك لفترة عابرة.