رصاصة.. قد تشعل حربا عالمية
يقول الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي الحائز على جائزة نوبل : " اعتدنا أن نتساءل أين تكمن الحرب , وما الذي يجعلها شديدة الحقارة . لقد أدركنا الآن أين يكمن أصل الحرب ونوازعها , غنه داخل نفوسنا .إن الحرب ستستمر مادام هناك بشر على وجه الكرة الأرضية أو خارجها , فالإنسان الكائن الوحيد القادر على تنويع الحرب ونقلها من مكان إلى آخر من خلال ابتكاراته التكنولوجية والحربية , لذلك تنشب الحرب في أي وقت وقد تستمر طويلا أو تنتهي بمجرد أن يحسم الطرف الأقوى المعركة ويفرض إرادته على الطرف المهزوم .تشتعل الحروب لأسباب سياسة واستراتيجية وجغرافية واقتصادية وربما تشتعل بعض الحروب لأسباب تبدو تافهة لكن الأسباب الحقيقية تكون مضمرة , فالرصاصة التي قتلت ولي عهد النمسا في سراييفو عام 1914 كانت الشرارة التي أطلقت الحرب العالمية الأولى , فهل يعقل أن رصاصة تشعل حربا عالمية !!
نعم أشعلت حربا استمرت 4 أعوام خاضتها امبراطوريات ودول كبيرة وأسفرت عن 17 مليون قتيل و20 مليون مصاب وغيرت جغرافية أوروبا والعالم وتفككت فيها الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية النمسا والمجر والإمبراطورية الألمانية واغربت شمس الإمبراطورية الروسية القيصرية بقيام الثورة البلشفية .
الظرف الزمني الحالي يطرح سؤالا يبحث الجميع عن إجابته: هل تشتعل حربا عالمية ثالثة بسبب حرب غزة ؟ .الحقيقة المؤكدة أن الحرب مستمرة منذ وجد الإنسان وستستمر طالما وجد البشر وطالما وجد مهووسون بها من قادة الاستعمار الشرهون إلى ثروات الاوطان الأخرى والذين بنوا مجدهم وحضارتهم على أطلال بلاد في أفريقيا وآسيا احتلوها وامتصوا خيراتها.
ورغم الحداثة والتطور العلمي الهائل وتقارب العوالم الجغرافية إلا أن دوافع السيطرة والهيمنة لدى هؤلاء أقوى من دوافع السلم والتعاون وهم لا يفهمون غير لغة القوة . كما أن القوميين المتعصبين بتلك الدول وغيرها هم شرارة مشتعلة دائما لإشعال الحروب مرة أخرى , هل تشتعل حرب عالمية بسبب حرب غزة ؟.
لا توجد إجابة حاسمة للسؤال , فامتداد الحرب رهين بنوايا القوى التي تشعل الحروب , فالرصاصة التي قتلت ولي عهد النمسا لا يمكن لأحد وقتها أن يتوقع أن تشعل حربا بهذا الحجم من القتل والدمار , وإذا امتدت نيران الحرب خارج غزة فسوف يكون امتدادها أولا في المنطقة , وربما يكون من إرهاصات ذلك , الاشتباك بين قوات الاحتلال الصهيوني وحزب الله ومع الحوثيين .
وقد ترغب إسرائيل في مساندة غربية فتعمد إلى إشعال بؤر حربية في عدة مناطق إقليمية بغرض تدخل الغرب لنجدتها باعتبارها طليعة الاستعمار في المنطقة.
وقد تهدف الحكومة الصهيونية إلى حماية نفسها داخل الكيان نفسه فتدفع في اتجاه تصعيد الأزمة خارجيا لكي تفلت داخليا من المحاسبة وقد ترى أن نجدة الغرب قد تنقذها من المحاسبة إذا ما حققت نصرا على القوة العربية وربما تحصل على مكاسب جغرافية أو سياسية.
المسألة لا تقتصر في الحروب على المناطق الجغرافية المحيطة , فالعالم صار متاحا الحركة فيه والتأثير فيه للجميع من القوى الكبيرة , فهل تترك القوى الكبرى مثل روسيا والصين لأمريكا فرصة ترسيخ هيمنتها عسكريا وواقعيا على منطقة مهمة للغاية مثل الشرق الأوسط ؟ وهل تتغاضى الصين عن السلوك الأمريكي والغربي وتغض البصر عن ضمها تايوان ؟ وإذا ضمت تايوان , ما رد فعل أمريكا ؟ وهل تتراجع روسيا عن مشروعها في أوكرانيا ؟ فإذا لم تتراجع , فما النتيجة لهذه الحرب المشتعلة في أوروبا ؟ وإذا ضمت الصين تايوان بالقوة وفعلت روسيا بالمثل مع أوكرانيا , فهل تتغاضى أمريكا وتترك لهما الفرصة لكي يتحول النظام العالمي إلى نظام ثلاثي القطبية ؟.
إن الحروب أداة لحسم المواقف السياسية وكما قال كلاوزفيتز : غن السياسة هي الحرب بأدوات ووسائل أخرى , فلابد أن تسفر الحروب عن صعود قوى وانحدار أخرى وعن تغيير في الخريطة الجغرافية وطي صفحات من التاريخ , وكل هذا نتيجة حتمية , فالحروب لا تنشب للهو والتسلية .تتوقف مسألة اشتعال حرب عالمية ثالثة على نوايا الدول الكبرى وانتهاز اللحظة التاريخية التي تنشب فيها الحرب , وقد تكون حرب غزة التي دامت أكثر من مائة يوم مختبرا أو ساحة للاختبار تمهيدا لحروب أكبر سواء كانت إقليمية أو عالمية , ويخمد فتيل اشتعال تلك الحروب الاتفاق على الدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني , وقتها ربما ينزع فتيل الحرب العالمية .