بحملة "ارحل".. المعارضة السودانية تتحدى نظام البشير
بعد سنوات طويلة من فوضى الخلافات الداخلية وقمع السلطات، وحدت المعارضة السودانية صفوفها في تحالف "نداء السودان" لكنها وجدت نفسها في أول اختبار حقيقي غير قادرة على الحشد في حملة أطلقتها لمقاطعة انتخابات من المرجح أن تمدد فترة رئاسة عمر البشير.
وللتعبير عن رفض انتخابات وُصفت بـ"المزيفة"، أطلق "نداء السودان" حملة "ارحل" لمقاطعة الانتخابات وبدأ اعتصاما مفتوحا في مقر حزب الأمة عشية اليوم الأول من الاقتراع، إلا أن النتيجة جاءت بما لا تشتهي السفن.
ويبدو أن المشاركة المحدودة للسودانيين لا تقتصر على عملية الاقتراع بل لم تنجح المعارضة في حشد الجماهير للتعبير عن تأييدهم لمقاطعة الانتخابات.
ويقول الأمين العام بالإنابة لحزب الأمة حسن إمام حسن، لوكالة "فرانس برس"، "لم نتوقع العدد الذي ترونه حاليا".
في اليوم الثاني من الاعتصام تجمع 80 شخصا فقط، غالبيتهم من كبار السن في مقر حزب الأمة وهو عبارة عن فيلا من العهد الكولونيالي في منطقة أم درمان، وجلس هؤلاء على كراسي بلاستيكية أمام لافتة كتب عليها "حملة ارحل: الاعتصام ضد الانتخابات المزيفة" يستمعون إلى خطابات ضد حكم البشير والانتخابات الرئاسية والتشريعية الجارية.
وبحسب إمام حسن، فإن هذه "الانتخابات لن تؤدي إلى شيء، هي انتخابات مزورة كلفت الكثير"، وينافس البشير في هذا الانتخابات 15 مرشحا غير معروفين على الساحة السياسية، ومن شبه المؤكد أنها ستنتهي بتمديد فترة حكمه المستمر 26 عاما خمس سنوات اضافية.
ويجمع تحالف "نداء السودان" الذي أعلن عنه في ديسمبر، فئات معارضة تتنوع بين مؤيد للتغير السلمي وآخر للعمل المسلح وثالث يرفع صوت المجتمع المدني.
والهدف منه هو "إسقاط النظام لذلك فإن مقاطعة الانتخابات ليست سوى خطوة في هذا الطريق ومن المبكر جدا تقييمها"، بحسب ما تقول آمال جبر الله السيد أحمد عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوداني.
ولغياب الحشد عن نشاط المعارضة أسباب ومبررات، أساسها القمع والتخويف وحتى لا مبالاة المواطن السوداني العادي.
وتشرح آمال أن عمل المعارضة يتم في ظروف تمنع خلالها الأحزاب من مخاطبة الجماهير، حتى أنها الآن ممنوعة من القيام بأي نشاطات داخل مراكزها.
الأمر ذاته تؤكده الصحفية والناشطة أمل هباري، وتوضح أن مشكلة المشاركة في كافة أنشطة المعارضة تكمن في الخوف من القمع.
كانت الأجهزة الأمنية اعتقلت في ديسمبر المعارضين فاروق أبوعيسى وأمين مكي مدني إثر توقيعهما وثيقة "نداء السودان"، وأطلق سراحهما الخميس الماضي.
أما إمام حسن إمام، فيشير إلى سبب آخر يتمثل في رفض الشباب المتحمس أساسا لاعتصام سلمي من هذا النوع، ويشرح أن الشباب يفضل النزول إلى الشارع ولكننا نعلم أنه إذا فتحنا الطريق أمامهم فإن ذلك سينقلنا إلى وضع شبيه بسوريا مثلا، لذلك نحن حريصون على الحل السلمي.
ويقاطع العديد من الشباب الناشط حملة "ارحل" على اعتبار أنها لا تؤدي الى نتيجة، واطلقوا على مواقع التواصل الاجتماعي حملة أخرى باسم "انتخابات الدم".
ومن بين الأسباب أيضا، وفق هباري أن المعارضة لا تملك أي وسيلة إعلامية للحشد، وجهاز الأمن هو من يدير الصحف فعليا.
وتشن الأجهزة الأمنية، حملة واسعة ضد وسائل الإعلام، وصادرت في فبراير الماضي النسخ المطبوعة من 14 صحيفة.
لكن المعارضة عرفت باختلافاتها الداخلية، لذلك تقول هباري إن إحدى أسباب غياب المشاركة هو فقدان الثقة بالمعارضة نتيجة الخلافات الكبيرة في ما بينها.
حزب الأمة على سبيل المثال، شهد انقسامات عدة، حتى أن بعض الفصائل المنشقة أصبحت موالية للحكم، أما السيد أحمد فتبدي ثقة في تحالف المعارضة، وتقول إن "نداء السودان" هو أول تحالف بهذا الشكل بين أحزاب المعارضة منذ العام 1989، عام الانقلاب الذي قام به البشير ضد حكومة رئيس حزب الأمة صادق المهدي المنتخبة ديموقراطيا.
وهذه أيضا المرة الأولى التي تنضوي بها حركات التمرد المسلحة في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق في إطار تحالف يدعو إلى الحل السلمي، وهنا أيضا تكمن أهمية "نداء السودان"، وفق ما يقول القيادي في حزب الأمة.
إلا أن حركات التمرد هذه تعهدت بتعطيل العملية الانتخابية في مناطقها بالقوة، فيما تصر أحزاب ومنظمات أخرى في "نداء السودان" على الخيار السلمي.
تقف ابتسام الحسن، فتاة في العشرينات من العمر، وهي تبتسم بسخرية، وتقول "قاطعت الانتخابات فإن نتائجها معروفة مسبقا، ولا علاقة بموقفي بالحملة التي تقوم بها المعارضة فهي غير فعالة وغير منتجة، حتى أن اعتصامها لا يقتصر سوى على مقر حزب الأمة".
وبرغم غياب الحشد الواضح، تصر المعارضة على أن ما يحصل ليس سوى خطوة، وهي فعليا جاهزة للحوار مع السلطات ما إذا توفرت الشروط المناسبة.