«اصطناع الذكاء»
أنتمى إلى الجيل الذى كبر وهو يشاهد أفلام خيال علمى تتحدث عن تمرد الروبوتات لتتحكم فينا نحن البشر، أو عن جرائم يحاكم عليها البطل قبل ارتكابها بسبب هذه التكنولوجيا الحديثة، التى كشفت ما الذى فعله فى المستقبل، وأفلام تحكى قصة الروبوت، الذى يقع فى حب فتاة! وحينها لم تتخطّ هذه الأفلام حيز التسلية والإبهار السينمائى، أو حتى الحديث عن مستقبل لن نكون جزءاً منه. لكن لم أكن لأتخيل أن هذا المستقبل البعيد أصبح حاضراً نعيشه بالفعل.
فها هى مديرة صندوق النقد الدولى «كريستيانا جورجيفا» تبشّرنا فى تدوينة لها الأسبوع الماضى بأن «٤٠٪ من الوظائف فى العالم ستتأثر بسبب الذكاء الاصطناعى، وهو ما قد يعمّق أيضاً عدم المساواة فى فرص العمل وعدم الاستقرار الاجتماعى، وأن هذا الذكاء سيُعيد تشكيل الاقتصاد العالمى، لذلك علينا التأكد من أن هذا سيكون لصالح البشرية».
تدوينة جورجيفا تزامنت مع منتدى دافوس الاقتصادى فى سويسرا حيث اجتمع قادة السياسة والاقتصاد ورجال الأعمال من دول العالم المنقسم سياسياً والمثقل بأعباء الديون. ورغم الحروب والصراعات، وحديث الصحافة والمراقبين عن الخطوة التى تفصلنا عن حرب عالمية تشعلها الولايات المتحدة وإيران، سيطرت على جلسات المنتدى نقاشات عن هذا الذكاء الذى سيلتهم ما يقرب من نصف وظائفنا، إلى الحد الذى جعل البعض يصفه بمؤتمر للذكاء الاصطناعى.
هذا الاهتمام كان واضحاً أيضاً فى عدة تصريحات وتحركات حكومية، فوزيرة تعليم سابقة فى بريطانيا تقدّمت باقتراح لتغيير المناهج التعليمية لتعزيز الثقة بالنفس لدى الطلاب وتأهيلهم لسوق عمل تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعى، فيما ظل بيل جيتس ثابتاً على موقفه بأن التاريخ أثبت أن كل تكنولوجيا جديدة تصاحبها مخاوف، ثم تُمنح فرص جديدة، وأن العالم سيتغير خلال الخمس سنوات القادمة.
لكن ما توصلت إليه دراسة نُشرت هذا الأسبوع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن غالبية الوظائف التى تم تحديدها سابقاً على أنها مهدّدة بسبب الذكاء الاصطناعى ليست مفيدة اقتصادياً كى يتم استبدالها بأنظمة الذكاء الاصطناعى فى الوقت الحالى.
فى العام الماضى صرح «كلاوس شواب»، رئيس منتدى «دافوس» بأن من يُحكم سيطرته على الذكاء الاصطناعى سيُسيطر على العالم، ورغم مرور نحو عام على رسالة لعلماء ذكاء اصطناعى للرئيس الأمريكى بضرورة وقف التجارب على الذكاء الاصطناعى لمدة ستة أشهر، فإن الأمر تسارعت وتيرته للحد الذى جدّد المخاوف من الاستخدام السيئ لهذه التقنيات فى عام الانتخابات الأمريكية، وآخرها ما حدث هذا الأسبوع من تسريب صوتى للرئيس الأمريكى جو بايدن يدعو الناخبين فى ولاية نيو هامبشاير إلى عدم الاقتراع، ليتضح أن هذا الصوت صنعه «ذكاء اصطناعى».
مديرة الصندوق الدولى تحدثت فى تدوينتها عن ضرورة استعداد الحكومات بشبكات حماية مجتمعية، ولذلك تأتى ضرورة الخطوات الجادة من الحكومات للتصدى لمخاطر هذه التكنولوجيا الجديدة، فالبرلمان الأوروبى سيُصوت على مقترحات «قانون الذكاء الاصطناعى» حتى إن لم يبدأ تنفيذ هذه القوانين قبل عام ٢٠٢٥. فيما تزال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين بصدد وضع قواعد صارمة لاستخدام الذكاء الاصطناعى على أراضيها. لعل هذا يعيد إلينا الثقة التى يبحث منتدى «دافوس» كيفية إعادة بنائها.
سألت تطبيق «تشات جى بى تى» إذا كان من الممكن أن تتحقق أفلام الخيال العلمى التى كنت أشاهدها منذ سنوات، فأجابنى التطبيق باستحالة حدوث هذا الأمر، إلا أن ما لم يخبرنى به التطبيق أنه أحكم سيطرته علىّ بالفعل عندما انتظرت إجابته على تساؤلى!