«صلاح» يلعب جيدا ولا يردد النشيد

منذ سنوات قادتنى الصدفة للوجود فى أحد الأندية ظهراً؛ كانت الطرقات والقاعات فارغة إلا من كتلة واحدة تركزت أمام شاشة كبيرة وأمامها أطفال بعضهم خرج للتو من حصص تدريبية؛ لفت نظرى طفلان دون العاشرة، يرتديان قميص ليفربول مدوناً على ظهر كل منهما اسم «صلاح» ورقمه.

بينما ترتفع جبهتهما للشاشة العالية دون نزول. كانت تلك هى اللحظة التى أدركت فيها أن «صلاح» تخطى كونه لاعب كرة إلى مندوب للأمل.

التقطت صورة ونشرتها على «فيس بوك»، ثم تتبعت الخيط، الذى امتد لكثيرين، لرجل بائس يرى فى انتصار «صلاح» ختاماً ليوم ملىء بالهزائم، لمغترب يتكئ على اسمه فى لحظة بداية حديث مع بائع أو سجال ضاحك مع مشجع كرة أجنبى، لأحد سكان الدلتا وهو يعرف نفسه كساكن من بلدة قريبة لبلدة «المو». فى لوحة جرافيتى بمنطقة عشوائية تجمّل المكان بلا تكاليف. وتغطى ندبات الحياة.

تجلّى الأمل فى سلوكيات أخرى قد لا نراها، فهو الرجل الذى طبّع العلاقات بين آباء رأوا طويلاً الكرة ضياعاً، وأبناء رأوها عملاً ونجومية وثقافة.

فبات مشهداً معتاداً أن تتكالب العائلات على أكاديميات الكرة واختبارات النوادى، عسى أن يصبح الابن «مو» يوماً ما. وهو الأمل للاعب صغير كان يرى المشوار صعباً، يتطلب اندماجاً مستحيلاً، تفيض الذاكرة بأمثلة من فشلوا أكثر من أيقونات النجاح. وهو النموذج لشخص يملك قدرات حافظ عليها وطورها وخلال سنوات قليلة تحول الهزيل الموهوب إلى رجل صلب العضلات، منح عقله قدرات «تصفيحية» ضد الانتقادات واليأس.

معجزة «صلاح» مختلفة، وحمّالة أوجه، فى مجتمع يحاول النهوض، فهو موديل مصرى قادر على النجاح فى نظر المتفائلين.. وهو الناجح رغم أنه «مصرى» فى نظر الكارهين، وهو المتدين الذى يسجد ويصلى، لكن حجاب امرأته وزيارته أطفال ديار الغرب لا يرضى الأصوليين، ليس «أبوتريكة» وما وراءه من آلة دعائية تستمر فى استثمار نجوميته بعد عشر سنوات من الاعتزال، يندمج ويخفّف من الإسلاموفوبيا لكنه يحضر حفلات القصر البريطانى المحتل فى نظر «القوميين». وهو اللاعب العالمى، لكنه فلاح قادم من الريف، وليس من الحواضر فى نظر «اليمين القاهرى» الحديث.

وهو المتماهى مع القضايا الإنسانية فى حدود مصالحه وقدراته، يخاطب العالم بلغة الإنسانية، لكنه متخاذل لا يقاطع المثليين من تليفون آبل.. ولا يذهب إلى حدود غزة، يحفر أنفاقاً فى نظر الثوريين.. وهو المتبرّع بأمواله لإقامة معهد أزهرى، ومشافٍ، الرافض لعطايا ممدوح عباس بعد الصعود لكأس العالم وموجهاً إياها إلى الفقراء، على عكس موديل النجوم فى مصر، من انتظروا قديماً عطايا رجال المال كما شعراء القصور. هو الذى فضّل البقاء فى أوروبا، مؤمناً بأن المستقبل لا يكتبه المال وحده.. وهو البائس الذى وُلد فى ثقافة تنتظر المعجزة من السماء. وهو رجل نهض بكتالوج أرضى. فى لحظة الاهتزار أو التعثّر يدفع «صلاح» ثمن كل هذه التقاطعات.

عام 1998 فازت فرنسا بكأس العالم، قدّم الفريق عروضاً استثنائية، هزم البرازيل 3 - صفر، كان المنتخب خليطاً من العرب والبيض والأفارقة «black blanc beur»، لكن وسط هذا الإنجاز قالت مارى لوبان، زعيمة اليمين الفرنسى والجبهة الوطنية «هؤلاء لم يغنّوا النشيد الوطنى بشكل جيد». حينها قال زيدان «نحن لا نلعب كرة القدم من أجل الجبهة الوطنية». نعم وأنت كذلك يا «مو» لا تلعب كرة القدم من أجل محاربى «فيس بوك» ومفخخيه.