حالة خاصة.. دراما فريدة
نجح مسلسل (حالة خاصة) الذى عرض مؤخراً على إحدى منصات الإعلام أن يغير فكرة الكثير منا عن مرض التوحد، وأن يلقى الضوء بشكل فريد وبصورة إنسانية لهذه الشريحة من المجتمع، وأن يعيد كل منا حساباته ورؤيته لهؤلاء الذين أصابهم هذا المرض بينما رزقوا بجوانب أخرى قد تكون أكثر تفوقاً عن غيرهم ممن يعدوا أناساً طبيعيين.
مرض التوحد هو ضَعف فى التفاعل الاجتماعى وإقامة علاقات متبادلة مع الآخرين، والتواصل اللفظى وغير اللفظى، وقد تصبح أعراض التوحد واضحة قبل بلوغ الطفل سن الثالثة من عمره، ومن الصعب تحديد أسباب التوحد، الذى يصاب به من شخص إلى شخصين فى الألف، وهو يتضاعف فى الذكور بمعدل أربعة إلى خمسة عنه فى الإناث. لكن التشخيص المبكر للمرض قد يساعد فى تحسين سلوك المصاب.
ربما يكون بعضنا قد صادف هذا الشخص أو سمع عنه، لكن نظراً لاختلاف كل مريض عن الآخر، وندرة هذا المرض جعله بعيداً عن اهتمام الكثيرين. الصورة الإنسانية التى قدمها هذا المسلسل (حالة خاصة) لم يقدم الحالة الخاصة كمرض فقط، لكنها حالة خاصة أيضاً لهذا النموذج لبطل العمل الذى أداه باقتدار الفنان الشاب طه الدسوقى، الذى يخطو بخطوات ثابتة نحو مكان بارز فى عالم التمثيل، وهى حالة المريض الذى يصل إلى درجة العبقرية فى معلوماته وذكائه، بينما هو يفتقد التواصل الاجتماعى إلا فى أضيق حدود، والذى لم يتلوث بالصفات البشرية من الكذب والتآمر والنفاق، وعليه أن يواجه المجتمع بتناقضاته.
قُدم هذا العمل فى إطار إنسانى يحمل بعض المواقف الكوميدية، وأكثرها ينتمى إلى الكوميديا السوداء، حيث نكتشف أن هذا الشاب قد واجه وحيداً الظلم والجحود، من عمه الذى أنكر نسبه بعد وفاة والده، ثم سعيه للنجاح من أجل تنفيذ وصية والدته أن يكون محامياً ناجحاً، ومن خلال عمله بواحد من أكبر مكاتب المحاماة، ورغم كل ما يحمله من آلام هذه الحالة إلا أنه ينجح بمساعدة المحامية الكبيرة التى يعمل معها (غادة عادل)، التى نكتشف أنها أم لطفل مصاب بنفس المرض، وهو ما دفعها لمساندته رغم انغماسها فى كل سلبيات الحياة العامة، مع مجموعة أخرى من المحامين الشباب الذين يتنافسون من أجل إثبات وجودهم، بطرق مشروعة وغير مشروعة.
فى إطار بسيط يقدم هذا العمل لمؤلفه مهاب طارق حالة إنسانية استثنائية، بخلفية موسيقية لفرقة «المصريين» مع ألحان الموسيقار هانى شنودة التى تنتمى لفترة الثمانينات، يهرب بها البطل حين يحاصره هذا العالم الذى يريد أن ينعزل عنه ليتوحد مع ذاته، وينعزل عن تلك النماذج التى تعد طبيعية بينما هى تستخدم كل الوسائل الأخلاقية واللاأخلاقية من أجل البقاء، وهو على الرغم من صعوبة مرضه استطاع أن يحقق حلماً يكاد يكون مستحيلاً دون اللجوء لكل الألاعيب البشرية.
نجح المخرج عبدالعزيز النجار فى أن يقدم عملاً متميزاً بفكر جديد، كما نجح فى اختيار شخوصه، وعلى رأسهم غادة عادل التى استطاعت التعبير عن تناقضات شخصية المحامية شديدة المراس، والزوجة المتألمة من خيانة الزوج، والأم المصابة فى طفلها الوحيد المتوحد، لكنها لم تكن موفقة فى ملابسها التى تبتعد كثيراً عن الواقع، وجوه أخرى ما كان العمل يكتمل إلا بجودة أدائها منهم نبيل على ماهر وحسن أبوالروس ووئام مجدى وأحمد طارق وعلى السبع وغيرهم، أعتقد أن هذا العمل ربما يتبعه جزء آخر، وهو يستحق، متمنين أن يكون بنفس الجودة وعلى نفس المستوى، تحية لكل من ساهم فى (حالة خاصة) وقد أعطونا الأمل فى مزيد من الأعمال الدرامية الهادفة.