من قال إن المرأة كائن ضعيف؟!
لا أعرف من صاحب مقولة «المرأة كائن ضعيف»، فكلما تدبرت فى حال المرأة وما تقوم به من مهام ومسئوليات أدركت أن فى طيّاتها ظلماً كبيراً.. للحظة ساورنى الشك أنهم يقصدون امرأة أخرى غير التى نعاصرها يومياً، امرأة لا تصحو مبكراً من أجل الالتزام بمهام بيتها وأبنائها، ولا تلك التى تذهب للعمل فى رحلة يومية من المعافرة ومحاولة إثبات الذات وأنها حقاً جديرة بما أُسند إليها من مهام، ولا من تقدم يد العون والدعم لكل من حولها.. أردد فى نفسى، حتماً من قالها كان يرى امرأة أخرى فى زمن ومكان آخر، هل تدبرت حالها فى ريف مصر؟ فهى التى وصفها بديع خيرى فى رائعة سيد درويش الشهيرة «الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية والديك بيدّن كوكو كوكو فى الفجرية» تجيد أدوارها منذ الساعات الأولى من الصباح وتحمل على أكتافها أعباء أسرتها وبيتها وتقوم بإعداد الطعام وتذهب مع زوجها إلى الأرض كتفاً بكتف حتى ينبت الزرع وتجنى الثمار.. هل شاهدت قوتها فى صعيد مصر فهى كـ«الوتد» يلتف الجميع من حوله مثلما وصفها الكاتب الكبير خيرى شلبى فى مسلسله الشهير فى دور «فاطمة تعلبة»، فلا يمكن أن يتحرك ساكن إلا بأمرها وإرادتها، بوجودها يصبح كل شىء متزناً، هى الأم والزوجة والابنة.
أتساءل فى حيرة «إذا كانت المرأة تقوم بكل ذلك، فلماذا وصفوها بالكائن الضعيف؟»، ظننت أن هذا حال المرأة فى الدول الأخرى ربما فى الدول الأوروبية، ولكن بعض الظن إثم، فقد التقيت بسيدات النرويج داخل معرض القاهرة الدولى للكتاب حينما زرت جناح النرويج، ودار بينى وبين مارجريت والسو، مديرة مؤسسة نورلا التى قدمت عروض الكتب المتنوعة داخل الجناح، حواراً حول حال المرأة فى دولة النرويج ووجه التشابه والاختلاف بيننا وبينهن، لأتفاجأ بها تجيبنى إجابات عكس ما ظننت، فالمرأة فى النرويج تحمل نفس المعاناة ونفس الكفاح، حكت لى مارجريت عن تلك الالتزامات التى يجب أن تقوم بها المرأة فى بيتها من رعاية لصغارها ولكل متطلباتهم، وكذلك دورها فى العمل الذى يضعها دائماً فى صفوف المنافسة المتواصلة مع الآخرين، لتتساوى فى نهاية الأمر التحديات التى نواجهها مع اختلاف المكان.
ذكرت لى الدكتورة شيرين عبدالوهاب المنسق العام لدولة النرويج كضيف شرف، أن الليبرالية الحديثة التى تهدف لتنافس المرأة والرجل فى سوق العمل ظلمت المرأة كثيراً لأنها تتنافس طوال الوقت فى حياتها، وأشارت إلى أهم الكتب النرويجية التى تناولت هذه الأدوار والمهام التى تقدمها المرأة وهو كتاب «هل أنا حرة؟» للكاتبة «لين ستالسبيرج» والتى كشفت عن حجم الأعباء التى تتحملها المرأة سواء كأم أو كامرأة عاملة والذى يجعلها تعمل ليل نهار دون توقف.
لم يختلف الحال كثيراً حينما التقيت «فريدريكا» فى إحدى الفعاليات التابعة لمعهد جوته لتكشف لى عن مهام ومسئوليات المرأة فى ألمانيا، لكن المتغير الوحيد هو ما يتقاسمه الرجل من أعباء داخل المنزل والذى قد يحدث على استحياء فى مجتمعنا أو ربما لأسباب قهرية تجبر الرجل على المشاركة وتبادل الأدوار فى لحظات نادرة.
حالفنى الحظ وزرت دولة كينيا فى أفريقيا والتقيت بعدد من سيدات أفريقيا لنتبادل الحديث عن المهام والمسئوليات وطبيعة حياة المرأة، فلا حرج فى أن تجد أشهر أسواق منتجات الهاند ميد فى كينيا تقوم على النساء فهن من يقفن للبيع وهن من جلسن لساعات طويلة يغزلن تلك الحقائب فريدة الصنع وهن من يجلسن لساعات طويلة خارج المنزل من أجل جمع النقود ومواصلة مسيرة الحياة مع أزواجهن.. هنا أدركت أننا جميعنا نسير فى نفس الاتجاه ونواجه نفس التحديات مع اختلافات بسيطة تحكمها الطبيعة الجغرافية.
ربما بعد كل ذلك يجب علينا أن نتوقف عن استخدام هذه العبارة النمطية التى لم أجد فى مضمونها إلا كثيراً من سلب ما تقوم به المرأة وما تقدمه من طاقة تفوق الرجال فى أوقات كثيرة.