استعادة الريادة الإعلامية.. خطوات على الطريق الصحيح

خلال فترة قصيرة، استطاعت «القاهرة الإخبارية» أن تحجز لنفسها مكاناً بين كبريات فضائيات الأخبار الناطقة بالعربية، فى خطوة وضعت مصر على الطريق الصحيح نحو استعادة ريادتها الإعلامية، وتجسد نجاح القناة الوليدة، التى انطلقت أواخر أكتوبر 2022، واقعاً يشهده جميع المتابعين فى تغطية العدوان الإسرائيلى المتواصل على قطاع غزة، من خلال نقل كل كبيرة وصغيرة، مما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطينى من جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، إلى الناطقين باللغة العربية فى دول العالم المختلفة.

وبعدما أصبحت شاشة «القاهرة الإخبارية» ضيفاً دائماً لدى كثير من المشاهدين، ليس فى مصر فقط، وإنما فى العديد من الدول العربية، بدأت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية خطوة جديدة لتعزيز الريادة الإعلامية لمصر، من خلال إطلاق قناة إخبارية جديدة، تخاطب العالم باللغة الإنجليزية، وهو الحلم الذى طال انتظاره من قبل الكثيرين من المهتمين بصناعة الإعلام، ومتابعى المتغيرات المتتالية فى المشهد الإعلامى، كما أولته العديد من الأكاديميات ومراكز الدراسات الاستراتيجية كثيراً من الاهتمام خلال السنوات الأخيرة.

إطلاق قناة تليفزيونية ناطقة بلغة أجنبية غير العربية ليس بالفكرة الجديدة على الإعلام المصرى، الذى كانت له الريادة فى العديد من التجارب السابقة، لمخاطبة غير العرب بلغاتهم على اختلاف ألسنتهم، بدايةً من الإذاعات الموجهة، التى انطلقت من القاهرة فى بدايات النصف الثانى من القرن الماضى، والتى كانت تبث برامجها بنحو 23 لغة، وصولاً إلى إطلاق قناة النيل الدولية، فى منتصف التسعينات، لتشكل قوة مصر الناعمة فى الخارج لما يقرب من ثلاثة عقود، إلا أنها واجهت كثيراً من التحديات، التى حالت دون قيامها بالدور المنوط بها على الوجه الأكمل، تتمثل فى البيروقراطية، وغياب الرؤية الاستراتيجية، إضافة إلى ضعف الموارد المالية، ونقص الكوادر الإعلامية.

مثل هذه التحديات وغيرها، وضعها القائمون على القناة الجديدة، التى تجرى الاستعدادات على قدم وساق لإطلاقها خلال الأيام القليلة المقبلة، نصب أعينهم، من خلال إعداد وتأهيل فريق عمل يحقق المعادلة الصعبة، من خلال الجمع بين أصحاب الخبرات ممن سبق لهم العمل فى عدد من شبكات الأخبار الدولية، إلى جانب فريق من الشباب المزودين بأحدث آليات العمل الإعلامى، والمسلحين بطموحات تصل إلى عنان السماء، إضافة إلى تجهيزات فنية على أعلى مستوى، على أن يتم بث القناة الإخبارية الجديدة على شبكة الإنترنت، وعبر منصة «Watch It»، فى مرحلة تمهيدية، قبل أن يتم إطلاقها كقناة فضائية فى مرحلة لاحقة.

يمكننى أن أزعم أن سعادتى بإطلاق القناة الإخبارية الجديدة، التى من المتوقع أن تحمل اسم «Q-News» ربما تختلف عن غيرى من متابعى المشهد الإعلامى، خاصةً رسالتى لنيل درجة الماجستير فى عام 2020، بعنوان «دور الإعلام فى تحقيق متطلبات السياسة الخارجية»، تضمنت توصية بإطلاق قناة فضائية مصرية تخاطب العالم الخارجى بلغته التى يفهمها، على أن يتم توفير كافة الإمكانيات المادية والفنية والبشرية، لضمان نجاحها فى تحقيق الأهداف المنشودة منها، من خلال رسالة إعلامية رصينة، تعيد لمصر ريادتها الإعلامية على المستويين الإقليمى والدولى.

لا شك أن امتلاك مصر لشبكات إعلامية باللغات العربية وغير العربية فى كافة أنحاء العالم، تستطيع اختراق الفضاءات الآسيوية والأمريكية اللاتينية وكذلك الأفريقية، أصبح ضرورة ملحة، حتى تستطيع مصر مواصلة دورها الريادى الذى طالما قامت به على الصعيدين الإقليمى والدولى، ومن البديهيات المتعارف عليها، أن لكل حقل منطقه الخاص به، الذى يمكنه من البروز والوصول، وبناءً على هذا فإن اللغة العربية التى ينطلق بها إعلامنا، لا يتكلمها الهنود والصينيون واليابانيون والألمان والأمريكيون والروس، ومن البديهيات الأخرى، التى يجب علينا أن نتذكرها بصدق، هى أننا فى موقع الدفاع وليس الهجوم.

وعلى هذا الأساس، فإننا مطالبون بأن نحدد الشروط الضرورية التى تمكننا من مخاطبة المراكز الكبرى فى الشرق والغرب، وبدون ذلك، فإن هذه المراكز لن تفهمنا، وسوف تبقى بالنسبة لنا كياناً مجهولاً، أو غولاً مرعباً، ولعل أحد أهم هذه الشروط يتمثل فى إطلاق خطاب إعلامى بلغات هذه المراكز الكبرى، التى تحتكر عناصر القوة، أو العناصر المولدة للتأثير السلبى تجاهنا فى أغلب الأحيان، ولا ينبغى إنكار دور أو أدوار الشروط الأخرى المساعدة أو المكملة، وهى بطبيعتها كثيرة ومعقدة ومركبة ومتبادلة التأثير.