أطلال كانت بالأمس القريب قائمة على جدران عتيقة أكلتها الرطوبة فتحولت إلى ركام، فوق الركام جلست «حسنية محمد الخياط» تستدعى ذكريات رحلة شقاء لم تعرف فيها طعم الراحة.
هنا تركت رضيعتها تصرخ جوعاً، وذهبت بحثاً عن حزمة «سريس» تسد جوعها لتدر لبناً يبلل شفتى الصغيرة، وهناك جلست على حصيرة بالية إلى جوار زوجها وطفليها ووالدها المريض لترتاح بعد تعب اليوم.
بلغت «حسنية» الستين من عمرها وما زالت تعمل أجيرة فى الحقول التى لم تغب عنها يوماً رغم مرضها وكبر سنها، لا وسيلة أمامها للعيش ورعاية أسرتها سوى العمل كأجيرة باليومية، وإذا غاب موسم الحصاد تحمل الخرسانة والطوب وتنقل الرمال.
فى منزل متهدم يبدأ بباب خشبى قديم، تستقبلك «حسنية» بابتسامة تحمل مزيجاً من الرضا والألم، لم تحلم العجوز يوماً بأن ترتدى أجمل الثياب، فيكفيها من الثياب جلبابين تبدل بينهما، لم تفكر فى نفسها يوماً، فهى تؤمن بأنها خُلقت من أجل أولادها: «طول عمرى عايشة لخدمة أبويا وأمى رغم إنى اتحرمت من كل حاجة، كنت بحرم نفسى من عرقى عشانهم وعمرى ما حسستهم إن ناقصنى حاجة، كفاية عليهم حياة الغلب اللى عاشوه». تتوقف السيدة العجوز للحظات متذكرة والديها اللذين توفاهما الله: «من صغرى اعتبرت نفسى اتجوزت أبويا وأمى والزمن وقلت هعيش ليهم وبس، لكن بعد موت أمى شفت الذل أنا وأبويا من أخويا ومراته، بهدلونا، قلت لنفسى كفاية كده أنا أتحط فى رقبة راجل أحسن، واتجوزت وأخدت أبويا معايا».
تزوجت «حسنية» من رجل «على باب الله»، يعمل يوماً ويتوقف عشرة لكنها تحملت: «رجعت تانى أشتغل باليومية بدل ما أمد إيدى، عشان أربى عيالى، والحمد لله ربنا أكرمنى وعلمت صابرين لحد ما خلصت الجامعة وجوزتها من غــير مساعدة حد، وبعد موت أبوها ربــنا يقدرنى أكمل المشوار مع محمود أخوها لحد ما يــقـف عـلى رجــله».
تزوغ العجوز ببصرها وسط ركام المنزل وكأنها تتحدث إلى أناس، هى فقط من تراهم وتشعر بوجودهم: «ربنا اختبرنى بالمرض والفقر لكن ادانى عزيمة وإيمان، وهفضل أشتغل وآكل لقمتى من عرق جبينى لآخر يوم فى حياتى، بس كل اللى طالباه أقدر أبنى بيتى عشان لما أرجع من الشغل أنام وعنيّا مقفولة من غير خوف».