قيام وانهيار «الأفندية»

هل تتذكر محمد أفندى عبدالعال فى فيلم الأرض؟ لم يكن مالكاً كبيراً، ولا إقطاعياً، ولا فلاحاً يستمد مكانته من الزرع والحصاد، كان بائساً لا يؤدى دوراً حقيقياً فى دورة الإنتاج، سوى بعض المعرفة التى يتعالى بها على أهل قريته، وحين يواجهون الخطر كانت تشهر الصيحة الشهيرة «اجرى يا محمد أفندى» ليواصل التعاسة.

لا يمثل محمد الأفندية تمثيلاً صادقاً، إنما شريحة دنيا من قطاع عريض كان أوائله طلاب البعثات التى أرسلها محمد على لأوروبا لتحمل العلم وتبنى دولة، وتضم شرائح أخرى من خريجى الجامعات والموظفين وأساتذة الجامعات الحديثة، ممن شكلوا بعد ذلك عصب الجهاز الإدارى وقادة الرأى، يرتدون زياً أجنبياً تعلوه الطرابيش، ويتناقشون فى البارات والمقاهى، يقرأون الصحف، ويرتادون المسارح ويستهلكون الأحلام.

حفل أدب نجيب محفوظ بهؤلاء، من داوود المصرى الذى أصبح باشا، الأفندى العائد من أوروبا، فى حديث الصباح والمساء، إلى ما تلاه من أفندية قشتمر وحضرة المحترم وكمال عبدالجواد وفهمى فى الثلاثية. كانت حياة الأفندية مغرية، وجد فيها طه حسين مثلاً تحرراً من سلطة المشايخ وعماماتهم ومناهجهم، وعائلة الدكتور سيد عويس فخراً لزواج عمه من بناتهم.. على ما ذكرت لوسى ريزوفا فى كتابها القيّم عصر الأفندية، تلاحقهم الإعلانات كممثلى الحياة العصرية، وترصدهم الكاميرات وتتتبع أنماط حياتهم وعادات شرائهم وأغانيهم، وتقدمهم السينما كأبطال أوائل، فيما تتراجع التمثيلات الأخرى لشخصيات المجتمع، تعلو أذواقهم الموسيقية الصدارة، فيخلع سيد درويش جلبابه ويرتدى البدلة، ومن بعده زكريا أحمد.

كانوا أصحاب النور المفترض فى مجتمع راكد صدمه الاحتلال، من يأخذون بيده تجاه النهضة، على خُطى الأجانب، يتكلمون لغتهم ويتعلمون مثلهم، ويتصدون لمؤامراتهم بالتظاهرات. فى العصر الناصرى، باتوا هم آلة دعايته الأيديولوجية من جهة، أو مناهضى سياساته المنخرطين فى تنظيمات سرية. لكن المشترك أن أدوار الأفندية ازدادت وتخطت حدود المعرفة والتخصص، باتت الأدوار «رسولية» فالمهندس النابه الذى قضى عمره فى تعلم الهندسة وممارستها أصبح من حقه أن يكون اقتصادياً يبشر بسياسات وتوجهات حتمية، والمتخصص فى اللغة العربية المتمكن هو بالضرورة محلل موسيقى حاذق، لا من تربة الموسوعية والمعرفة وارتياد التخصصات بل من تربة الاستحقاق و«وضع اليد»، لا كمشارك مثقف وصاحب أفكار متناثرة غير متخصصة، بل كخبير يملك «الحقيقة الشاملة المطلقة»، كشكول للسياسة والاقتصاد والدين والإعلام.

«الأفندى الشامل» ابن الراحة والركود، طبيب القرية الذى يكتفى بالحد الأدنى من الأصناف، غير متابع للجديد ولا يحضر مؤتمرات ولا يقرأ. فقط لأنه أول الثانوية العامة، من حقه أن يقدم روشتة لمريض ألزهايمر فى حالة متقدمة، وحين يأتى متخصص لفحصه فى مستشفى بالمدينة يعدها إهانة ثم يعتلى منبر الجمعة يحذر من تحريك المرضى للمستشفيات لأن من يذهب لا يعود حياً. هل تتذكر فترة السيولة بعد يناير، وقت أن رشحت السوشيال ميديا والميادين أسماء بديلة للوزراء، كانت سمة الاختيار البارزة هى «مشاهير التليفزيون»! إذا كان الأفندية هم بذور «النخبة» بمفهومها المتسع، القادرة على اكتساب العلم ونقله وتطويره، فإن «نخبويتها» مرهونة باحترام أدوارها ومعرفتها. أو ننتظر جريها مع محمد أفندى المتعالى مع أول تحد قريب.