وهم «الكوميونيتي».. الحياة اليومية للطالب البائس
واحد من أسباب نجاح فيلم «صعيدى فى الجامعة الأمريكية» الاستثنائى نهاية التسعينات، تعبيره بصدق عن الجانب «المشتهى» من التعليم لقطاعات عريضة من الطبقة الوسطى، حيث الرفاهية والحفلات، والرحلات الطويلة، وعلاقات محرَّرة نسبياً من السلطة المجتمعية، والتمتع بسلع رمزية، كالسيارات الحديثة، وصيحات الموضة. أتذكر مثلاً الضحك العالى مع عرض مقطع ظن فيه بطل الفيلم أن كلمة سكستين فالف «16 valve» نوع للسيارات، ضحك الجميع بشدة رغم أن أغلبهم لا يدرك أن الجملة تشير إلى معنى شديد الخصوصية ميكانيكياً، ووقتها لا يعرفها إلا من يفهم فى عالم السيارات بعمق، لكن خشية الاتهام بالجهل والدونية ضحك الجميع.
لا يريد أحد أن يخرج من عضوية النادى الاجتماعى التعليمى، ويظهر جهله برموزه الثقافية والمادية. لم يكشف الفيلم تعارضاً مع التعاطى القديم للتعليم، فـ«خلف» الآتى من عالم «الجلباب البلدى» هو ذاته إسماعيل فى قنديل أم هاشم، الذى ترك الجلباب للبس الأفندية بداية القرن العشرين، الفرق أن طالب الجامعة الأمريكية ذهب فى التسعينات إلى الجينز.
ظل التعليم «ممارسة اجتماعية» تحفل يومياً برموز تكشف عن محاولات تكريس الهيمنة المجتمعية والتفاوت والطبقية، وفى سبيل ذلك يبحث أفراد الطبقات الوسطى القلقون عن استهلاك ما يُبقيهم داخل الدائرة. يحدث ذلك بشكل يومى. حتى المؤسسات الخاصة والأجنبية ذاتها لم تكن حلماً فى وقت من الأوقات. تقزمت بجوار ما عُرف بالمدارس الأميرية، أو الجامعات الحكومية، كان يُنظر للطالب المضطر لدخول «مدرسة أو جامعة خاصة أو مؤسسة أهلية» على أنه ضعيف علمياً ولا يساوى أقرانه فى «الأميرى». الزمن يحدد طرق استهلاك هذه الرموز وموقعها.
هل لاحظت، مثلاً، ولع الجامعات الحكومية باختصارات الأسماء، على غرار الأجنبية، لم يكن ذلك قراراً رسمياً بالطبع، لكن مغازلة لشرائح تبحث عن التميز. الحياة اليومية للطالب الصغير حافلة بالرموز والطقوس، فهذا هو «الفان داى».. الذى استلهم صانعوه لبساً كهنوتياً اشتهرت به الجامعات الأجنبية، لم يعرفه طلاب مدارس وجامعات الثمانينات مثلاً.. وتلك مقابلة مدرسية لوالدى تلميذ صغير، يتفاخر الأهل بصعوبتها، وبذل الجهد فيها، لأن المدرسة «مش بتاخد أى حد».
هذه المعانى تتغير بمرور الزمن لكن المنهج واحد، كانت مدارس محمد على الأولى تخطف طلابها كمجندين، أى يمكن أن يدخلها «عوام الناس» لكن التلميذ العائد فى «تشريفته» بات دليلاً على تغير مقبل لأهله ومدعاة للفخر، وكان طالب الحقوق بداية القرن هو مشروع مصطفى كامل المقبل، تنادى النساء بعضهن بأسماء الأولاد، لكن لقباً حداثياً اشتهر وقتها اسمه «أم الأفندى».
أمهات الأفنديات هن «الماميز» الآن رعاة مشروع المستقبل، ومستهلكى رموز وأدوات المكانة، ربما الفارق الآن أن رهان المستقبل بات مثل خواتم الذهب تلمع فى الأضواء وتشير للتمايز دون انتظار لعوائد تعليم جيد، كمهنى محتمل أو باحث أو تأهيل كثير من أصحابها للقدرة على الكسب.