حضانة الأطفال.. "على قد فلوسك رَبّى عيالك"

كتب: روان مسعد ودينا عبدالخالق

حضانة الأطفال.. "على قد فلوسك رَبّى عيالك"

حضانة الأطفال.. "على قد فلوسك رَبّى عيالك"

الأم تبحث عن الحضانة المناسبة، سواء فى مصاريفها أو المشرفين على التعليم بها، والأنشطة التى تقدّمها.. تختلف الحضانات باختلاف أسعارها وأماكنها، ففى المناطق الشعبية تصل إلى 50 جنيهاً فى الشهر، فيما تتجاوز الأسعار فى الراقية لتصل إلى 2000 جنيه، كل حسب الخدمة التى يقدمها. داخل «مجمع نور الثقافى» فى قلب ميدان الشعرية، يوجد مبنى محاط بسور عالٍ دون أبواب، مفتوح مباشرة على الشارع المزدحم بالسيارات، مكون من دورين، صنع بالكامل من الصاج، هنا المكان الذى يمكث فيه أطفال باب الشعرية كل صباح، سلم حديدى درجاته واسعة، هو السبيل الذى يتّخذه الأطفال يومياً من وإلى الحضانة التى توجد فى الدور الأول، رائحة نفّاذة قادمة من المرحاض تستقبل الوافدين، وإلى يسارها بقايا أثاث متهالك. ورقة بيضاء دوّنت عليها كلمة «حضانة» وباب مفتوح، كُسر زجاجه، يفضى بدوره إلى ردهة أخرى، آخرها باب قُفل بـ«مكتب» خشبى، يجلس خلفه الأطفال دون مشرف.[FirstQuote] بأقل مجهود تم تحريك المكتب أو «باب الحضانة»، وهى أشبه ما يكون بالصالة الكبيرة بمساحة 14 متراً فى 5 أمتار، غير مقسّمة إلى فصول. تقف «ماما منيرة» مديرة الحضانة، وتشير إلى الأطفال قائلة: «يوجد قرابة 50 طفلاً يومياً فى تلك المساحة الصغيرة، مقابل 50 جنيهاً شهرياً، وبينما تلوح بعصاها، صارخة فى الأطفال تربت على الطفلة الصغيرة التى تحملها، «ومعايا 14 طفل يتيم ماباخدش منهم فلوس خالص»، تتحدث عن أنها تكافئ الصغار بالحلوى، لكنها أيضاً تعاقب الأشقياء منهم بالضرب. فى منطقة العباسية شرق، تقع إحدى الحضانات، وهى تتبع جمعية شرعية تقدم خدماتها للمواطنين بأسعار ميسورة منذ خمسينات القرن الماضى، حضانة ملحقة بجامع، وبعض العيادات التخصصية البسيطة، ومديرة الحضانة سيدة أربعينية، منذ 13 عاماً وهى ترعى أطفال المنطقة، «تتكون الحضانة من عدة غرف، ثلاثة فصول للتعلم، مساحتها متوسطة، داخلها طاولات مستديرة حولها بعض الكراسى الخشبية، وغرفة للحاسب الآلى بها عدة أجهزة، ومساحتان واسعتان بهما ألعاب للترفيه عن الأطفال، ثلاث مشرفات يعتنين بأطفال عددهم 50 طفلاً كحد أقصى، و«دادة» تعتنى بمن يريد دخول الحمام، والنظافة الشخصية للأطفال. تصل مصروفات الحضانة إلى 60 جنيهاً، ويستوعب الفصل الواحد 15 طفلاً، وداخل كل فصل مشرفة، «بنشجع الأطفال على التعلم بالبونبونى والشيكولاتات».[SecondImage] فى الحضانات الشعبية لا يشترط أبداً المؤهل العالى، فالراتب الذى لا يتعدى 350 جنيهاً كفيل بأن يجذب أصحاب المؤهل المتوسط فقط. وتقتصر أدوات الترفيه على الكمبيوتر والجرى والمكعبات والصلصال والتلوين واللعب على المراجيح. إحدى الأمهات تقول «هى دى الحضانات اللى على قد فلوسنا، مش هقدر أودى ابنى حضانة كبيرة، وفيها مشرفات متعلمين كويس، وبالنسبة للعب اللى موجودة أهى حاجة بتقضى الغرض وخلاص»، أما محمد أحمد الرجل الثلاثينى، الذى يعمل بائعاً للفول، والذى قرر وضع طفله فى حضانة لتحسّن من مهاراته، يقول: «الولد اتحسن جداً فى الكلام عشان معاه أطفال كتير»، بينما ترى سلوى إسماعيل، إحدى الأمهات، أن حضانات المناطق الشعبية لا يوجد بها أى رقابة من جانب أى جهة، سواء على النظافة أو حتى عن أساسيات تقسيم الحضانة من الداخل، فأعداد الأطفال كبيرة داخل الغرف، الأمر الذى يصعب معه الاعتناء بكل الأطفال، كما يزيد من احتمالية انتقال أمراض بينهم، لكن لا نجد أمامنا إلا تلك الحضانات، لأننا لا نستطيع توفير تكاليف الحضانات الأرقى. فيما يختلف الوضع فى الأحياء الراقية، حيث يصبح للحضانات شأن آخر، هناك من تخصّص فى الأطفال الرضع فقط، وهناك من قسّم نفسه إلى أقسام، باختلاف سنوات عمر الأطفال. داخل إحدى الحضانات المقامة بفيلا صغيرة فى منطقة الدقى، ذات الطابقين الاثنين، ونقشت على خارجها أحرف إنجليزية، تحمل اسم الحضانة، اكتست أرضها باللون الأخضر والحشائش، وانتشرت عليها ألعاب الأطفال الذين انشغلوا بترديد الكلمات الجديدة، وزُيّنت حوائطها بالصور والألعاب والأحرف المختلفة الملونة، بينما قلت درجاتها لمنع سقوط الأطفال وتعدّدت فصولها التى تعلو فيها أصوات اللغات العربية والإنجليزية لتأهيل الأطفال لدخول المدرسة، فلكل صف منهم مدرسته الخاصة التى تعتنى به، وجميعهم يقعون تحت أعين مديرة الحضانة إيناس الشال، التى قالت إنه يتم قبول الأطفال من سن 3 أشهر وحتى عمر دخول المدرسة. «أهم حاجة يكون الطفل طبيعى علشان ماعندناش أقسام لرعاية المعاقين أو اللى بيعانوا من أمراض معينة».. بهذه الكلمات لخّصت إيناس، أهم المعايير لقبول الأطفال، موضحة أنها تتمكن من معرفة ذلك من خلال خبرتها فى هذا العمل، التى تمتد لسنوات عدة، فضلاً عن اللقاء الشخصى الذى يتم إجراؤه للطفل ووالديه فى بادئ الأمر. رسوم الحضانة، تتراوح بين الـ800 وحتى 1200 جنيه شهرياً للطفل الواحد، وأهم مميزاتها الأمانة، والهدوء فى التعامل مع الأطفال، والقدرة على الإبداع، وتقبل اللوم، ليتمكنوا من التعامل مع مشاكل الأطفال الشخصية التى قد يتعرّض إليها أحد الأطفال وعدم مقدرتهم على الإفصاح عنها. وهو ما أيدته، سالى إكرامى، المسئولة عن «البيبى كلاس» بإحدى مدارس الإنترناشيونال فى التجمع الخامس، التى تصب اهتمامها فى تعليم الأطفال باللغات، وأخرى ترفيهية بها ألعاب لتنمية العقل واكتساب مهارات مختلفة، فى ساحة مليئة بالألعاب والطرقات الملونة وأجواء لا تخلو من المرح واللعب. لا توجد شروط صارمة لقبول الأطفال بها، حيث إنه فى هذه الحالة يتمتّع أولياء الأمور أكثر باختيار الحضانة، وأنها تستقبل الأطفال من عمر 6 أشهر وحتى 3 سنوات و6 أشهر، بعد ملء الأمهات استمارة قبول، وإجراء مقابلة شخصية معهم، لمعرفة قدرات الطفل وطبيعته، قائلة إنهم يعتمدون أكثر على الألعاب البدنية للأطفال لتنشيطهم وإكسابهم قدرات مختلفة فى هذا العمر المبكر، ولتنمية عقولهم من خلال الرياضة وحفظ الأرقام ومبادئ اللغة، ومساعدة الأطفال فى مراحلهم الأولى من تعليم المشى والكلام والرسم والكتابة. «لدينا وحدة لمتابعة الأطفال شهرياً، وفى حال حدوث أى مشاكل أو خلافات بينهم أو مع الأهالى، وهى نادراً ما تحدث، أقوم بمتابعتها بنفسى لمنع إثارة أى خلافات».. هكذا أوضحت سالى سيبل، مشرفة فى الحضانة، كيفية التعامل مع الأحداث الطارئة، أو الخلافات بين أولياء الأمور والمدرسة، فضلاً عن وجود استمارة تقييم سنوية لأداء المدرسة يقوم بملئها أولياء الأمور. وهو ما بحثت عنه رانيا إبراهيم لابنها «أحمد» قبل دخوله الحضانة، فظلت تتردّد على عدد منها، قبل أن يقع اختيارها على واحدة من الحضانات التابعة لإحدى المدارس الفرنسية بمنطقة الدقى، حيث كانت أهم المعايير لديها هى «سمعة الحضانة فى تعاملها مع الأطفال، وأن مفيش ضرب أو غصب على حاجة، والنظافة فى المكان، والأمان»، وهو ما جعلها لا تكترث بارتفاع تكاليفها التى تصل إلى 8 آلاف جنيه سنوياً. بينما كان للصدفة حظ فى اختيار هبة الله عبدالهادى، حضانة لابنها «حمزة»، حيث وجدته يتجاوب مع المشرفين فيها فى اليوم الثانى، لكونه يعانى من مشكلة فى التحاور مع من حوله، لصغر سنه، التى تبلغ 3 سنوات، قائلة «ده غير أنه كان متأخر فى الكلام، وهما ساعدوه جداً، وبقى بيتكلم عربى وإنجليزى كمان كويس دلوقتى».[SecondQuote] من جانبها، قالت عزة إبراهيم، مدير إدارة الأسرة والطفل فى وزارة التضامن الاجتماعى، إن دور الحضانة منظم من خلال إطار تشريعى يحكمه، ووفقاً لقانون الطفل، وأوضحت أنه «لا بد أن تتوافر عدة معايير قبل الحصول على الترخيص، منها أن يكون المكان آمناً للأطفال، وبعيداً عن مصادر التلوث والخطر، مثل مخازن الأنابيب والترع والمصارف والطرق السريعة». وأضافت أنه لا بد أن تنطبق على المبنى نفسه معايير للجودة، من بينها التهوية والإضاءة وأن يكون صحياً وآمناً من النواحى الإنشائية، مشيرة إلى أن هناك قراراً بمراجعة تراخيص كل الحضانات على مستوى الجمهورية كل 4 سنوات، لضمان عملية الجودة والصيانة. وقالت مدير إدارة الأسرة والطفل، إنه يجب ألا تقل مساحات الغرف عن 3 أمتار فى 4، بحيث يكون نصيب الطفل مترين فى الغرفة. وأوضحت «عزة»: نحاول توفيق أوضاع بعض الحضانات التى لا تلتزم بهذه الشروط من خلال توفير بعض التربويين لإعداد مناهج وطرق تعلم، وذلك لأهمية المرحلة بالنسبة للطفل. وأضافت: لدينا 12 ألف حضانة على مستوى الجمهورية، والاشتراكات تتراوح حسب الخدمة وحسب المنطقة؛ حيث تبدأ من 10 جنيهات شهرياً حتى 1000 جنيه فى بعض المناطق الراقية.