قضايا الناس

محمد المهدى

محمد المهدى

كاتب صحفي

كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟ سؤال غاية فى الأهمية لأن الاكتشاف المبكر سيقلل من مخاطر الإدمان ومن التدمير الذى يحدثه مزيد من التعاطى على شخصية الابن أو البنت، وهناك علامات تظهر على الشخص المتعاطى، مثل تدهور الحالة الصحية العامة، شحوب الوجه، احمرار العين، هالات سوداء تحت العين، اضطراب مواعيد النوم واليقظة بحيث يصحو ليلاً وينام نهاراً، زيادة مساحة الغموض والسرية فى حياته، التهرب من الوجود مع أفراد الأسرة، التكاسل عن الأنشطة الدراسية أو التغيب عن العمل، التدهور الواضح فى المستوى الدراسى أو فى أداء العمل، الإلحاح فى طلب المال، إهمال النظافة الشخصية، التخلى عن الهوايات التى كان يمارسها، تغير نوعية الأصدقاء، إغلاق غرفته على نفسه معظم الوقت، وجود مواد أو أدوات أو حبوب أو كبسولات غريبة فى حجرته أو فى ملابسه، حساسيته الشديدة، انفعالاته الزائدة وعصبيته المفرطة لأتفه الأسباب.

فإذا ظهر بعض هذه العلامات أو كلها، يبدأ أحد أفراد الأسرة المقربين بالجلوس مع الشخص ومصارحته بهذه التغيرات، والمتوقع أن المتعاطى للمخدرات سينكر وسيهون الأمر ويعطى تفسيرات أو تبريرات لما يحدث، ولكنها مع ذلك ستكون رسالة له أن ما يفعله له تأثير واضح لمن حوله، فربما يؤدى هذا لمراجعة الموقف لديه إذا كان فى بداية الطريق، أما إذا كان قد تورط وذهب بعيداً فى طريق التعاطى، فهو سيمارس الإنكار إلى أبعد مدى وربما يصبح عدوانياً ومتبجحاً، وهنا تنتقل الأسرة من المصارحة إلى المواجهة المحسوبة، وقد تعرض على الابن الذهاب لأحد الأطباء المتخصصين، وقد يحتاج الأمر لعمل تحاليل فى أوقات مختلفة لمتابعة وجود التعاطى من عدمه، مع مراعاة أن تؤخذ عينة البول للتحليل تحت إشراف مباشر من أحد الأقارب حتى لا يتلاعب الشخص المدمن بالعينة.

وفى حالة اكتشاف التعاطى والتأكد منه تبدأ رحلة العلاج، وقد تكون على مستوى زيارات فى العيادة الخارجية وعلاج دوائى مع علاج نفسى فى صورة جلسات منتظمة فى حالة إذا كان الشخص متعاوناً، أما إذا رفض العلاج واستمر فى التعاطى، أو كان قد أصيب باضطرابات نفسية نتيجة التعاطى، فإن الأمر يحتاج لدخول مصحة أو دار للتعافى ويبقى فيها إلى أن تستقر حالته. ومن الأخطاء الشائعة أن الأسرة تكتفى بفترة علاج قصيرة فى مصحة الإدمان، أسبوعين أو ثلاثة، وهذه المدة غير كافية على الإطلاق لعلاج الإدمان، بل هى كافية فقط لعلاج الأعراض الانسحابية، ويحتاج المدمن إلى فترة علاج طويلة نسبياً، فيما يُسمَّى بدار التعافى، أو مصحة منتصف الطريق، حيث يمر بمراحل علاج تأهيلى يتعلم من خلالها كيف يعيش بشكل سوى بعيداً عن المخدرات، ويتعلم مهارات مقاومة إغراء المخدرات ومهارات التعامل مع ضغوط الحياة من دون مخدرات.

وبما أن الإدمان مرض مزمن ومعاود، فإن احتمالات الانتكاسة تكون متوقعة فى أى وقت ولذلك يحتاج المدمن للمتابعة المنتظمة مع المعالج، ومن المفيد أن يحضر اجتماعات المدمنين المجهولين فى أى مؤسسة علاجية، وأن يكون له مشرف يتابع رحلة تعافيه من خلال برنامج الخطوات الاثنتى عشرة أو أى برنامج موازٍ، وأن تكون هناك تحاليل مفاجئة فى أى وقت للتأكد من عدم العودة للتعاطى.

ويتم بالتوازى مع ذلك عمل جلسات عائلية لتحسين العلاقة بين المدمن المتعافى وأسرته، وعمل أنشطة تأهيلية لتسهيل عودته إلى المجتمع وإلى دراسته أو عمله، مع الاهتمام بالجوانب الدينية والروحية التى تسهم بشكل كبير فى استمرار ونجاح رحلة التعافى.

*أستاذ الطب النفسى