صحفيون خلف القضبان: التهمة "مراسل".. والحرز "كاميرا"

كتب: أحمد منعم ومحمد أبوضيف

صحفيون خلف القضبان: التهمة "مراسل".. والحرز "كاميرا"

صحفيون خلف القضبان: التهمة "مراسل".. والحرز "كاميرا"

جلست السيدة تحدث نفسها: «انت جيت يا محمود»، تصمت برهة وتعاود الحديث مرة أخرى: «اتأخرت ليه يا بنى؟»، تلتفت حولها فيختفى من كانت تحدثه، وقتها تعى أنها وحيدة فى منزلها الموحش، بعدما قُبض على نجلها المصور الصحفى محمود عبدالشكور، الشهير بـ«شوكان»، خلال فض اعتصام رابعة، وعيها بحقيقة اللحظة لم ينه حديثها فأخذت تناجى نفسها باكية: «طب هما ما أفرجوش عنه زى زميله ليه.. اشمعنى هو؟». يدخل الأب «عبدالشكور» فى تلك اللحظات يرى حالة الأم، يرفض أن يتركها وحيدة كل ليلة فى انتظاره، فيقرر أن يرسلها إلى أهلها فى الصعيد، تعيش فى كنفهم، علهم يفرجون عن همها، ويوقفون بكاءها المستمر على الابن الغائب، تلك اللحظات يرويها لـ«الوطن»، محمد عبدالشكور، شقيق شوكان، بعدما ضاقت به السبل للإفراج عن نجله المحتجز من عام ونصف، بتهمة الانضمام لجماعة محظورة، ويقول: «أمى خلاص اتجننت». عام ونصف العام ومحمود شوكان، المصور الصحفى بوكالة «ديموتكس كوربس» خلف القضبان، خرج يوم فض اعتصام رابعة من منزله، بعد مناقشة ودودة مع شقيقه يرويها «محمد»، حاول فيها إثناءه عن النزول لمقر الاعتصام للتصوير كعادته اليومية: «يا محمود النهارده فيه شحن جامد فى التليفزيون، يمكن يحصل فض ولا حاجة، خليك مش مهم النهارده بلاش»، يرد «شوكان» بلهجة المحب لمهنته: «انت عارف يا محمد إنى بحب التصوير ومش هقدر ماكونش موجود وأصور لحظات ممكن تكون مهمة».[SecondImage] يخرج «شوكان» خريج أكاديمية أخبار اليوم، التقى مجموعة من زملائه، تابعوا ما تبثه وزارة الداخلية من دعوة الصحفيين لتغطية عمليات فض الاعتصام، رافق شوكان اثنين من المصورين الأجانب «ميكو جليو» بـ«الديلى بيست» و«لو جيمس» «freelance فرنسى»، حتى مقر الاعتصام، واستأذن قائد قوات الشرطة، حسب رواية شقيقه. يقول «محمد» متذكراً تاريخ اليوم وتفاصيله بدقة، 14 أغسطس عام 2013، وأن شقيقه قام بتصوير عمليات الفض بجانب قوات الشرطة لمدة ساعة ونصف، وليس من جهة المعتصمين، وظل خلف قوات الشرطة خلال محاولاتها اقتحام الاعتصام، ولكن تأخر عن ركب الصف الأول من القوات، لتصوير ما تبقى من عمليات الفض، فهجمت القوات التى جاءت من الصفوف الخلفية وألقت القبض عليه. نقل «شوكان» برفقة الاثنين من المصورين الأجانب بعد القبض عليهم إلى استاد القاهرة، ويقول «محمد» إن كلها ساعتين حتى تم الإفراج عن المصورين الأجانب وظل «شوكان» حبيس الاستاد، دون أن ينتبهوا إلى محاولته توضيح هويته، حتى رُحل فى اليوم التالى إلى قسم ثانى مدينة نصر، حيث كانت تنتظره حفلة من التعذيب داخل القسم، وبعد 3 أيام وجهت له التهم بالانضمام لجماعة محظورة وتعطيل العمل بالدستور وتخريب ممتلكات عامة وخاصة. كان الاتصال الأخير بين «شوكان» وشقيقه قبل ترحيله إلى قسم ثانى مدينة نصر أخبره بوجوده بالاستاد، واتجاههم لترحيله، ولكن وقتها لم يعرف وجهته، ومن وقتها ولمدة شهر «لا حس ولا خبر»، ظلت الأسرة كلها تبحث عنه طيلة تلك المدة. كانت أصعب اللحظات التى مرت على «شوكان»، وفق حديث «محمد»، وقتما كان فى سيارة الترحيلات التى كانت تصطف خلف السيارة الشهيرة التى سقط داخلها أكثر من 36 سجيناً اختناقاً بالغاز. قدم «محمد» وأسرته الكثير من الأوراق لجهات التحقيق لإثبات أن شقيقه كان يعمل لدى إحدى الصحف بالقطعة أو ما يسمى بـ«freelance»، ولكن لم تلتفت لها جهات التحقيق، ولم تنظر فى أى من تلك الأوراق التى نالها نصيب من التجاهل. ويقول إن كل المحبوسين من الإخوان فى قضية شوكان والمعروفة إعلامياً بـ«فض اعتصام رابعة» تم الإفراج عنهم بعد تقديم استشكال وتظلم للنائب العام على قرار الحبس الاحتياطى، ولكن لم يكن أيضاً لـ«شوكان» نصيب من ذلك وتم تجاهل كل تظلماته، بعد وعود من النائب العام لأسرته بعد لقائه أكثر من 4 مرات، وكل مرة يعد بخروجه فى أول قائمة تظلمات ولكن «وعود وكلام من غير تنفيذ». يجد فى قضية شقيقه إنذاراً لإنهاء قصة الصحفيين غير المنتمين لمؤسسات والمعروفين بـ«freelance»، بجانب رفض كل من يعمل بشكل حر بعيد عن سيطرة الدولة ومؤسساتها، كالمدونين، والمصور والصحفى الحر «بيتعاملوا معاه بمنطق اضرب المربوط يخاف السايب». فى الطابق السابع من محكمة إمبابة، بشارع السودان، يجلس ضياء على متفرشاً الأرض، فى انتظار إحدى وريقات قضية شقيقه، فالشاب القادم من مدينة المنصورة فجراً، ليستكمل أحد الإجراءات، اعتاد على الجلوس فى طرقات المحاكم، بين المجرمين والمحامين، منذ القبض على شقيقه «محمد على حسن» الصحفى بموقع «مصر الآن» وجريدة روز اليوسف سابقاً، فى 11 ديسمبر 2014، من منزله الكائن بمنطقة أرض اللواء. يومها دخل عدد كبير من قوات الشرطة فى البناية التى يسكن بها شقيقه بأرض اللواء، بدعوى أن هناك أحد السوريين يضع متفجرات بالعمارة، وتعرفوا على سكانها ومنهم شقيقه خلال التحقيقات عن السورى المزعوم، ولكن بعد ساعات قليلة من رحيل قوات الشرطة فوجئ بقوات من الأمن الوطنى، تقتحم شقة «محمد» حسب رواية شقيقه، وقبضت عليه، واقتادوا زوجته بين يديها طفلته الرضيعة التى لم يتجاوز عمرها 45 يوماً، بعد الاعتداء عليه وضربه وتعذيبه أمام زوجته. قادت القوات «محمد وزوجته» بعد تفتيش جهاز الكمبيوتر الخاص به، والمسئول عن بث المادة التحريرية للموقع الإلكترونى «مصر الآن» الذى يعمل به، إلى قسم شرطة العجوزة، وأجبروه على الإمضاء على اعترافات تخص نشر مواد كاذبة تحض على كراهية الشرطة وهدم الدولة، وتلقى تمويلات من الخارج، والانضمام لجماعة محظورة، مقابل الإفراج عن زوجته وابنته الرضيعة، وهو ما حدث بالفعل بعد موافقته على التوقيع على تلك الأقوال. يجد «ضياء» فى موقف النقابة من قضية شقيقه، التى يجدد له الحبس فيها احتياطياً منذ 4 شهور، موقفاً ضعيفاً: «النقابة مش قادرة تعمل حاجة»، ويؤكد أن شقيقه قبض عليه كنوع من أنواع الترهيب لزملائه الصحفيين، حتى لا يقدموا أى انتقادات للدولة: «زمن الحريات خلاص ولى.. مفيش حد هيقدر يقول كلمة حق تانى فى البلد دى».