قطار الصحافة.. "ضلمة وصدأ وشحوم"

كتب: أحمد منعم ومحمد أبوضيف

قطار الصحافة.. "ضلمة وصدأ وشحوم"

قطار الصحافة.. "ضلمة وصدأ وشحوم"

نوافذ مهشمة، أبواب أكلها الصدأ، ومقاعد متهالكة مغطى بعضها بصفحات الجرائد الممزقة، لتحمى الجالسين من الأتربة المتراكمة فوق سطحها، وعربات مظلمة، تتخللها إنارة ضعيفة من ثنايا النوافذ المطلية بالأتربة والشحوم، وأزيز شديد الإزعاج، هذا هو حال قطار رقم «776» والمعروف باسم «قطار الصحافة» الموجود على رصيف «8»، بمحطة رمسيس فى الثالثة فجراً. يحمل الاسم، ولكن انقطعت علاقته بصاحبة الجلالة، ولم يبق له من ميراثها إلا تلك الوريقات الممزقة التى يضعها راكبوه على مقاعده الملطخة بالأتربة والشحوم، حيث أصبح قطاراً للركاب بعد أن بدأت الصحف نقل مطبوعاتها فى قطارات أخرى تنطلق من القاهرة فى ساعات مبكرة من الليل، حتى تصل الصعيد والمحافظات البعيدة فى صباح اليوم التالى. بشعره الأسود الفاحم، وملامحه الجنوبية، يجلس «عواد منصور» عامل بمحطة السكة الحديد، يغط فى نوم عميق، حتى يزعجه أزيز احتكاك عجلات القطار بقضبان السكة الحديد، فور دخوله المحطة فى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، ويقول لـ«الوطن»: «هو اسمه قطر الصحافة بس مابينقلش صحف.. الصحف بتتنقل فى القطر العادة بتاع الصعيد الساعة 9.30، ووجه بحرى بينقلوها فى عربيات»، مؤكداً أن ذلك القطار لم يعد يستخدم فى عملية شحن الصحف، ولكن ما زال يحتفظ باسمه «قطار الصحافة». قبل سنوات كان يتابع «منصور» من موقعه بأحد أكشاك بيع المنتجات للركاب، الموزع ومسئولى الصحف فى نقل كميات كبيرة من الجرائد إلى العربة الأخيرة من القطار، لتوزيعها فى القرى والمراكز فى محافظات وجه بحرى، ويقول إنه على الجانب الآخر من المحطة يوجد موقع القطارات المتجهة إلى الصعيد، يستقر قطار يحمل نفس الاسم «قطار الصحافة»، وكان يخدم نفس الغرض قبل أن يستغنى عنه لصالح قطار عادة، والعربات والطائرات فى بعض الأحيان، ليكون النقل أسرع «فى زمن النت». بدأت قصة قطار الصحافة بعربة واحدة فقط من نوع «السبنسة»، ورويداً رويداً ومع زيادة عدد الصحف، زادت عربة أخرى ليتكون القطار من عربتين، وبعد فترة من الوقت وفى ظل مرور القطار على المراكز، أضيفت له عربات للركاب مع الاحتفاظ باسمه. كان القطار يدخل المحطة كل ليلة، حيث يسارع المسئول عن الصحف، إلى إلقاء الصحف الخاصة بمؤسسته بكميات محددة سلفاً على رصيف المحطة، حيث يتسلمها من هناك شخص آخر هو «المتعهد»، وذلك يكون باتفاقية مسبقة بين الصحف والسكة الحديد. «محمد سيد» يجلس فى إحدى عربات القطار، ينتظر تحركه، الرجل الذى يعود كل ليلة إلى بلدته فى كفر الزيات اعتاد ركوب القطار، ولكن «عمرى ما شوفت فيه جرايد»، مؤكداً أن ركاب القطار عادة من أصحاب العمالة الليلية التى تنتهى فى أوقات متأخرة بعد منتصف الليل، واعتادوا على مقاعده المتهالكة وثمن تذكرته الزهيد «سعر التذكرة رخيص وعلى قد الحال، وكلها كام ساعة والواحد بيوصل بيته». مجدى الحفناوى، مدير عام التوزيع بصحيفة «المصرى اليوم»، يؤكد انتهاء عصر قطار الصحافة منذ أكثر من 15 عاماً، وخاصة مع ظهور ما يسمى بالتوزيع الليلى بالقاهرة والجيزة، مشيراً إلى أنه كان هناك عربتان مخصصتان للصحافة فى كل قطار من القطارين، ويكون موعد انطلاقه فى الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وهو ما يعنى وصولهم فى أقصى تقدير إلى آخر محطات الصعيد ما بعد 12 ظهراً «هيكون طبعاً الخبر اتحرق والناس كلها عرفته ومحدش هيقرا». «تسمع عنه فى الأفلام وبس» بتلك الكلمات يوضح «الحفناوى» أسباب الاستعانة ببعض الوسائل الأخرى غير القطار، ويقول إن ثلاثة أرباع الكمية المنقولة للصعيد ما زالت تنقل عبر القطار، ولكن بقطار ينطلق عادة فى التاسعة ليلاً، حتى يتسنى له الوصول إلى المحافظات فى أوقات مناسبة للتوزيع، مشيراً إلى استعانة الصحف الخاصة فى بعض الأحيان، حين تكون الأحداث مشتعلة، بنقل كمية عبر الطائرات. أما عن الوجه البحرى فيوضح «الحفناوى» أن هناك عربات من شركة التوزيع تتجه لكفر الزيات وطنطا والقليوبية، وجزء ينقل بالقطارات إلى قليوب والمنوفية وجزء إلى طنطا «بس القطارات طبعاً بتطلع بدرى»، مشيراً إلى أن الشركات التى تحتكر التوزيع «الأهرام والأخبار والجمهورية» ترسل صحفها عبر القطار السريع «الجرايد الباقية بيفكروا فيها بعد شوية».