د. فتحي سرور
أسدل الستار على تاريخ طويل ساره وعاشه الدكتور فتحي سرور.
لقي الرجل وجه ربه في أكثر الأيام بركة وهي ليلة القدر، هل يمكن أن نحسد من توفاه الله في هذه الليلة، أم نرى في ذلك إكراما له واصطفاء، هي أمور نتداولها ولا يعرف الحق والحقيقة إلا الله .
د. سرور رحلة طويلة من الكفاح والنجاح بدأها طالب نابغ ومتفوق وبعد تخرجه التحق بالسلك القضائي وكيلا للنائب العام وانتقل بعد ذلك للسلك الجامعي حتى صول إلى قمة الكلية عميدا لها وأستاذا لامعا ومقتدرا لعلوم القانون الجنائي التي برع فيها سرور وصار من أكبر وأشهر المحامين في نفس وقت وجوده بالجامعة ، وهو في مسيرته القانونية سجل شروح قانون العقوبات القسمين العام والخاص بصورة مبدعة حتى صارت هذه الشروح مرجعا لكل محامي وعندما سجن سرور وفي التحقيقات والمحاكم كانوا يحققون معه ويحاكمونه بناء على مراجعه التي كتبها ودرسها لطلابه .
كان سرور دؤوبا لا يرضى بوضعه القائم ، كان لديه فرط حركة تعليمية وثقافية وسياسية . شارك في النشاط السياسي بالاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي كما شارك كتابة دستور 1971 المحكم في صياغته والغزير فيما نص عليه من حقوق وعين مندوبا للجامعة العربية في منظمة اليونسكو ولما عاد ، واصل نشاطه الجامعي وخاض انتخابات عمادة الكلية وفاز بها وعين نائبا لرئيس الجامعة ، ومن المفارقات أنه خلال مرافعته في إحدى قضايا الجنايات تم استدعاؤه إلى القاهرة على الفور وأبلغ أنه تم تعيينه وزيرا للتعليم .
لم يكتف سرور بذلك بل واصل نشاطه السياسي ورشح نفسه عضوا بمجلس الشعب بدائرة السيدة زينب في المقعد الفردي إبان انتخابات القائمة في أواخر الثمانينات وبعد وفاة النائبة المحترمة نوال عامر واصل سرور مسيرته النيابية عضوا عن السيدة زينب بعد عودة النظام الفردي في الانتخابات ولكن في تلك الدورة كان اغتيل الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب واختار الرئيس حسنى مبارك د. سرور رئيسا للمجلس . واستمر سرور لمدة عشرين عاما ويزيد رئيسا لمجلس الشعب في فترة تعتبر الأطول على الإطلاق في تاريخ الحياة النيابية المصرية .
ورغم ما سجله في حياته من تاريخ حافل بالإنجازات والمناصب القانونية والجامعية والتشريعية والسياسية ، إلا أنه لم يكتفي بذلك ، كان يشعر أن الظروف مسخرة له وأن الحظ خادمه ، فخاض الانتخابات البرلمانية على كل المستويات الدولية فتولى رئاسة الاتحاد البرلماني العربي ورئاسة الاتحاد البرلماني الأفريقي ورئاسة الاتحاد البرلماني الأورو متوسطي وكانت الجائزة الأكبر رئاسة الاتحاد البرلماني الدولي وهو منصب لم يحققه مصري أو عربي من قبل . كان قدارا على كسب أي انتخابات بدء من انتخابات مجلس الآباء في المدرسة وحتى الاتحاد البرلماني الدولي .
عرفت الدكتور فتحي سرور وأعتز به كثيرا كشخص ورئيس مجلس الشعب ، كان ذو عقلية متفتحة عميق الثقافة خاصة في مجال القانون ، وكان مرنا في فكره ولم يكن جامدا فإذا دارت بيني وبينه مناقشة فإنه كان يقبل الرأي الآخر طالما اقتنع به فلم يكن متعصبا لرأيه أو رافضا لآراء الآخرين ، وما يعرفه القريبون منه وتعاملوا معه أن كان خفيف الظل مرح يحمل وجهه ابتسامة وبشاشة دائمة .
سافرت بصحبته في مؤتمرات برلمانية دولية ، كان يسأل عن كل كبيرة وصغيرة تخص الصحفيين ويطمئن على أحوالهم . كان يتصل بمن يرى أنه ينسق بين زملائه ويسأله عما يحتاجون وعما ينقصهم وكان يتبع تقليدا أن يقيم مأدبة عشاء للصحفيين بمفردهم بعيدا عن الوفد البرلماني وعن النشاطات التي تتم لكل الوفد مجتمعا .
كان الدكتور سرور برلمانيا متميزا يتمتع بالكفاءة الدستورية والقانونية العالية وقد لا يرضى البعض عن تشريعات معينة أو يراها على غير ما يعتقد ويتمنى أو ليست على هواه ، لذلك يهاجمون الدكتور سرور وغيره من كبار المشرعين ، وأقول لهم إن التشريع أمر معقد وبه من التفاصيل ما لا يمكن لكل إنسان أن يلم بها ، خاصة أن التشريعات المصرية تراكمت منذ عشرات السنين وتداخلت نصوصها ولوائحها ، كما أن الحكومة هي المسئول الأول عن تقديم التشريعات للبرلمان باعتبارها السلطة التنفيذية للدولة ممثلة لرئيس الجمهورية ، وأي تشريع لابد له من وجود تنسيق تام بين البرلمان والحكومة لأن الحكومة هي التي ستنفذ التشريع ، ولا يمكن أن تنفذ تشريعا لا توافق عليه وإذا نفذت أحدها فلن تنفذ كل التشريعات بهذه الطريقة . لذلك سرور وغيره من جهابذة القانون هم يجتهدون لإخراج القانون في صورة علمية وتشريعية مناسبة.
ندعو للدكتور فتحي سرور بالمغفرة والرحمة وقد اصطفاه الله في ليلة مباركة وشهر مبارك.