اللوبي الصهيوني لم يعد اللاعب الوحيد
تخضع السياسة الخارجية الامريكية لمجموعة من المؤثرات، وتتراوح أهميتها و قوة تأثيرها من جماعة الى أخرى.
واللافت أن كل هذه الجماعات لا تسعى للوصول الى السلطة، ولكنها تؤثر في صنع القرار، في كل المؤسسات المعنية ، خاصة الكونجرس و البيت الأبيض.
ومنذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى مدى أكثر من 75 عام، برز اللوبي الصهيوني بمكوناته من شخصيات و جماعات يهودية ، كأحد أهم عوامل التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الوطن العربي ، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ، التي يتأكد من خلالها مدى الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل .
ولم يكن هذا الانحياز على المستوى الرسمي فقط، فقد حظيت إسرائيل - تاريخيًا - بدعم شعبي كبير في الولايات المتحدة.
هذه المعادلة لم تعد قائمة الآن، وبدأت في التغير منذ سنوات قليلة، وارتفعت وتيرة التغير بمعدلات واضحة ، منذ بداية العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة ، وهو ما رصدته وسائل الإعلام الأمريكية ، و مراكز الأبحاث ، و استطلاعات الرأي، وهناك انفتاح كبير على انتقاد إسرائيل، وتعدى الأمر إلى حد علو الأصوات المناهضة للصهيونية .
وقبل أشهر قليلة من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تقريرُا، يشير إلى أن الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة يتراجع بشكل ملموس ، وفي المقابل، ارتفع عدد المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني.
وكشف استطلاع أخير لمؤسسة "جالوب" الأمريكية، بأن الرأي العام بالولايات المتحدة يتراجع عن دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة .
وكان لافتُا ما حدث في جامعة "هارفارد" يوم السابع من أكتوبر الماضي ، بعد ساعات قليلة من هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، عندما صدر بيان يحمل توقيع أكثر من 30 منظمة طلابية في الجامعة ، ويُحَمِّل إسرائيل المسؤولية عن كل أعمال العنف التي تحدث في الأراضي المحتلة.
و في الرابع من نوفمبر الماضي، شهدت العاصمة الأميركية "واشنطن" أكبر مظاهرة داعمة لفلسطين في تاريخ الولايات المتحدة، وشارك فيها ما يقرب من ( 300 ) ألف شخص .
و في استطلاع للرأي أجرته وكالة "رويترز"، بالتعاون مع مؤسسة "إبسوس"، أواخر أكتوبر الماضي - بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب في غزة - وصلت نسبة من يعتقدون أن "حماس" هي سبب الحرب ، إلى ( 58 % ) لدى من تزيد أعمارهم على 40 عامًا ، و انخفضت النسبة إلى ( 34 % ) لدى الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين (18 و 39 )عام .
و فسرت وكالة "رويترز"، نتائج هذا الاستطلاع ، بأن جيل الألفية الجديدة بات أكثر تشككًا ، تجاه السياسة الإسرائيلية نحو الفلسطينيين ،خلافًا لقناعات الأجيال الأكبر عمرًا.
و اعتبرت مجلة " نيوزويك " أن دعم فلسطين بين الأميركيين ارتفع إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة ، مع تنامي قناعات الكثيرين بأن الاحتلال الإسرائيلي يمارس سياسة " التطهير العرقي ".
و رغم أن ثلثي المشاركين في استطلاع أجرته الإذاعة الوطنية الأميركية ، طالبوا الإدارة الأمريكية بضرورة دعم إسرائيل في حربها على غزة ، لكن الإذاعة أكدت أن للشباب رأي آخر مغاير تمامًا ، و أكدو رفضهم لما وصفوه بالعدوان المفرط .
مازال اللوبي الصهيوني هو الأقوى حتى الأن في التأثير على السياسة الأمريكية لحساب إسرائيل ، لكنه لم يعد اللاعب الوحيد ، و طبقًا لتفسيرات المراقبين لتطورات الرأي العام ، فإن الأميركيين كانوا يستقبلون الأخبار من خلال عدد محدود من وسائل الإعلام ، التي اعتادت الانحياز إلى جانب إسرائيل ، دون الإشارة إلى معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال ، أما اليوم فقد بات الشباب الأميركي قادرًا على معرفة الحقائق كاملة عبر منصات التواصل التي وصلت بالأصوات الفلسطينية و الكوفية و العلم الفلسطيني إلى قلب أميركا .