"رومانى".. من "جامع قمامة" صغير إلى "محاضر" فى جامعات أوروبا
رغم ظهور نتائج الامتحانات التى أدّاها «رومانى»، فقد عزف الصغير عن الذهاب إلى المدرسة لتسلم الشهادة، حتى مع علمه أنه الأول بين أقرانه فى الصف الرابع الابتدائى: «خفت وقتها أروح المدرسة علشان زمايلى كانوا بيضربونى؛ إزاى أطلع عليهم الأول، وأنا ابن زبال». فى أيام الدراسة، كانت الرابعة فجراً بداية يوم العمل الشاق الذى يزاوله «رومانى بدير» مع والده، جامع القمامة القاطن بعزبة الزبالين فى منشأة ناصر: «شغلنا فى جمع الزبالة كان بيبدأ من 4 الفجر، ولحد 9 الصبح، وبعدها والدى كان بيسيب لنا وقت نروح المدرسة أنا واخواتى ونرجع من المدرسة نذاكر»، يقول «رومانى».
حياة صعبة عاشها ابن جامع القمامة، الذى تخطى العديد من الصعاب إلى أن صار واحداً من المدعوين إلى جامعات ذات سمعة عالمية فى فرنسا وبلجيكا، لكى يُحاضر فيها عن تخصصه الجديد «إعادة تدوير المخلفات». فى صيف عام 1968، كان «رومانى» لا يزال فتى فى الصف الثالث الثانوى، يجلس محفوفاً ببقية إخوته على «الطبلية» ذاتها، مؤتنسين بمصباح كهربى «نمرة 5» يسلط ضوءه على الكتب المدرسية فقط، ويحكى ابن جامع القمامة عن صعوبات تلك الفترة: «كنا بنروح نملا فنطاس المية لبيتنا اللى فى عزبة الزبالين من حنفية عمومية فى الدويقة، ونرجع نذاكر».
لم يحدد الوالد «جامع القمامة» مسارات وظيفية أو مهنية لأى من أبنائه، حيث أتاح فرصة الاختيار كاملة أمامهم جميعاً، واختار الابن لنفسه أن يدرس إعادة التدوير، يعلق: «أنا مش شايف حتى أن الدكتور أو المهندس أحسن منى، لأنى حالياً استشارى بيئة، وفيه مجموعة من الفنادق بتلجأ لى لتأهيلها للحصول على شهادات الأيزو، وحالياً أنا محاضر فى عدد من الجامعات الدولية، فى مجال إعادة التدوير، ومنها جامعة تولوز الفرنسية».
رفض الأب أن يصير أولاده وبناته مثله، بسبب نظرة المجتمع إلى مهنة جامعى القمامة، النظرة التى أثرت على «رومانى» نفسه عندما كان صغيراً فى فترة السبعينات: «لما كنا بنطلع بعربية بحمار علشان نجيب الزبالة من الشقق، كنت باطلب من أخويا أننا ناخد طريق غير طريق أصحابى بتوع المدرسة، لكن بعد ما كبرت شوية فهمت أهمية اللى أنا باعمله، والموقف ساعتها اتغير بالنسبة لى، وطبعاً كتير اتعرضت لمواقف محرجة أكتر من إنى أذكرها».[SecondImage]
بالرغم من ذلك، لقى «رومانى»، فى صغره، معاملة حسنة من بعض من كانوا يعرفون أن ابن جامع القمامة متفوق فى دراسته: «لما كان ميعاد المدرسة بييجى كنت باجرى أنا واخواتى ومانكملش شغل، ولما حد من سكان العمارات اللى بنلم زبالتها يعرف أننا رايحين المدرسة، كان بيقول لنا معلش يا حبيبى حصل خير، وماكانوش بيزعقوا رغم أننا مأخدناش زبالتهم».
بعد انتهائه من الدراسة فى المرحلة الثانوية، أتاح له مجموعه إمكانية التقديم لجميع الكليات العلمية، لكنه فضّل أن يدرس فى ميكانيكا السيارات فى أحد المعاهد الفنية، حيث يبرّر قراره قائلاً: «طلعت الأول على مدرسة الدراسة الثانوية بدون ما آخد ولا درس خصوصى، يومها حسيت إنى مش عايز أدخل ولا كلية من كليات القمة، رغم أنها كانت متاحة قدامى فى التنسيق، لكنى رفضت أدخل كلية أخرج منها أشتغل موظف بمرتب ثابت، فقررت أدخل معهد فنى أدرس فيه ميكانيكا سيارات خلال سنتين، وبعدها درست فرنساوى فى المركز الثقافى الفرنسى، وسافرت فرنسا سنة 1988».
لم تكن سفرته الأولى إلى فرنسا فى 1988 هى السفرة الأخيرة، حيث استطاع «رومانى» أن يثبت نفسه فى مجال إعادة التدوير، حسبما يقول، وهو ما أهله لحضور العديد من المؤتمرات حول العالم فى هذا المجال، يقول: «سافرت كذا دولة أحضر فيها مؤتمرات عن إعادة التدوير، منها فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورج والإمارات وجنوب أفريقيا». كما اقترب الاستشارى فى إعادة التدوير، من وزراء البيئة المصريين، الذين يقول إنه تربطه بهم علاقات طيبة، ومع ما وصل إليه «رومانى المخضرم» فى مجاله، فإنه لم يتوقف عن الدراسة: «حتى مع نفسى، بقيت بادرس بتروكيماويات، ودلوقتى أقدر أعرف نوع وطبيعة كل مادة من مواد إعادة التدوير وخصائصها والطريقة الأفضل لإعادة تدويرها، وباطلع دلوقتى أحاضر فى جامعة تولوز، وجامعة لوفان لانوف فى بلجيكا».[FirstQuote]
ويتابع: تصريحات وزير العدل السابق محفوظ صابر، التى أشار فيها إلى أن العمل فى السلك القضائى محظور على أبناء جامعى القمامة، معلّقاً: «التصريحات دى بتعبر عن ثقافة بلد، وبالنسبة لى أنا شايف أن عامل القمامة أكبر من الوزير، لأن عمال القمامة فى القاهرة بس لو أخدوا أجازة 3 أيام بس، ممكن يتراكم 27 ألف طن قمامة فى الشوارع، فين العربيات اللى هتشيل ده كله، هو وزير أهلاً وسهلاً، بس لو أخد أجازته القضائية كاملة، البلد مش هتتأثر».
ويعتقد «بدير» أن السلك القضائى ليس المنطقة الوحيدة المحظورة على أبناء جامعى القمامة «لأن الشرطة كمان وجهات تانية بيبقى فيها اختبارات وتحريات، علشان يعرفوا أصل وفصل المتقدمين، خصوصاً الشرطة»، ورغم هذا سلك أبناء جامعى القمامة من عائلة «رومانى» مسالك تفوق أقرانهم فى مراحل التعليم والعمل: «بنت أختى واخدة ماجستير سياحة وفنادق، وأختها الأصغر منها فى كلية طب، وابنى فى كلية إدارة أعمال، وبناتى فى مدارس فرنساوى وبيتكلموا فرنساوى كويس جداً، وكل اولادى فى مدارس» يقول الرجل.
ضاحكاً، يشير «بدير» الذى يُحاضر فى جامعات أوروبية، إلى الفرق بين نظرة المجتمعات الأوروبية إلى جامعى القمامة ونظرة المجتمع المصرى لهم، فيقول: «رواتب العاملين فى مصانع تدوير المخلفات فى فرنسا بتكون مدفوعة مقدماً من تمن كل سلعة بيشتريها الفرنساويين، يعنى لما حضرتك بتشترى موبايل بيكون على سعره جزء لإعادة التدوير، وفى اليابان عاملين لجامعى القمامة تماثيل فى الشوارع، وبيسموهم مهندسين نظافة». يلقى استشارى تدوير المخلفات، نجل جامع القمامة، حفاوة من الجامعات الأوروبية التى يحاضر فيها: «لما باروح جامعة تولوز علشان أحاضر لطلبة كلية العلوم، بتكون رئيسة الجامعة نفسها حاضرة، وبيبعتوا عربية مخصوص تاخدنى من المطار للفندق اللى بيحجزوا لى فيه، أو بتيجى لى دكتورة من الكلية بعربيتها توصلنى».