أشرف شرف يكتب: عصام الشماع.. الفيلسوف التائه

أشرف شرف

أشرف شرف

كاتب صحفي

لا يعرف طعم الرحيل من أخلص لفنه وإبداعه فقط، تلك المقولة تنطبق على المخرج الكبير الراحل د. عصام الشماع، الذى غادر عالمنا فجر يوم الأحد الماضى الثامن والعشرين من شهر أبريل عام 2024 عن عمر ناهز الـ69 عاماً تاركاً العديد من الأعمال الفنية الخالدة بين السينما والتليفزيون يعد أشهرها (كابوريا، الأراجوز، النمس، راندفو، الجنتل، مجانينو، دنيا عبدالجبار، توت توت) وغيرها فى السينما، وفى التليفزيون، بدأ بالفيلم التليفزيونى الشهير (طالع النخل) للراحل عبدالله محمود، وفى الدراما التليفزيونية من أشهر أعماله (عظمة يا ست، رجل فى زمن العولمة، الكبريت الأحمر) وغيرها.

فالمبدعون لا يرحلون، فهم يحلّقون بأجنحتهم وأفكارهم فى سماء الفكر، هكذا كان عصام الشماع يحلق متفرداً بإبداعه، حتى حينما ابتعد عن السينما أو التليفزيون كمؤلف ومخرج منذ عدة سنوات سواء أكان إجباراً أم اختياراً لم يكف ليلة عن الكتابة أو الشروع فى دخول مشاريع فنية. لم يكف أيضاً «الشماع» عن الكتابة والغوص فى شرح نظريات فلسفية أو تاريخية عبر صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك.

شرفت أنا بصداقته وإجرائى لسلسلة من الحوارات التى نشرتها فى حلقات بمجلة الإذاعة والتليفزيون منذ 3 سنوات بالتمام والكمام، والتى حكى لى فيها «الشماع» العديد من الأسرار التى نشرت لأول مرة، من بينها أنه دخل مجال الكتابة من باب المسرح حيث رشحه صديق له لكتابة الحوار لمسرحية كانت ستعرض بمقر حزب التجمع فى بداية الثمانينات من القرن الماضى ومن بعدها انطلق للكتابة فى عالم الفن السابع، حيث جاءته فرصة دخول التليفزيون من خلال الفيلم الشهير «طالع النخل» لعبدالله محمود، وصلاح السعدنى، وأحمد الدمرداش، وعمرو محمد على، وإخراج محمد فاضل، ودارت أحداثه حول شاب قروى، يعمل كطالع للنخل، إلى أن يكتشف إصابته بالبلهارسيا وتتوالى الأحداث.

ومن الأسرار التى قالها لى «الشماع» إنه كان أول كاتب فى مصر خط سطراً فى فيلم أيام السادات للنجم الكبير الراحل أحمد زكى إلا أنه انصرف عن الكتابة به لانشغاله وقتها بكتابة والتحضير لفيلمه الشهير «توت توت» لنبيلة عبيد وإخراج عاطف سالم، هذا الفيلم الذى حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً إبان طرحه بدور العرض السينمائى، وكذلك حصد نجاحاً أكبر بعد عرضه تليفزيونياً.

كما حكى لى «الشماع» أن النجمة الكبيرة رغدة لم تكن المرشحة الأولى لبطولة فيلمه «كابوريا» ولكنها كانت النجمة الكبيرة الراحلة مديحة كامل، حيث ذهب هو ومخرج الفيلم «خيرى بشارة» لزيارتها وفعلياً عرض عليها الدور ورحبت بالفكرة لكن فجأة لم تأت للفيلم ربما اختلفت مع منتج الفيلم «حسين الإمام» على حد تعبيره، فجاءت «رغدة» بدلاً منها بترشيح من بطل الفيلم «أحمد زكى».

انسحاب «مديحة كامل» من الفيلم فجأة بعد خلاف مع منتجه، لم يكن الخلاف الوحيد فى هذا الفيلم، إنما وقع خلاف بينه وبين «الشماع»، مؤلف الفيلم، أثناء التصوير على نهاية الفيلم، حيث أراد «الإمام» و«بشارة» أن يكون البطل سلبياً ولا يثور ويأخذ الفلوس، «قالوا لى فيها إيه لو هدهد خد الفلوس ومشى»، إلا أن «الشماع» رفض تلك النهاية تماماً وأصر أن يثور «هدهد» لأنه بطل شعبى من طراز رفيع، لذا رفض أن يكون لعبة فى يد الأغنياء وترك الفلوس وعاد لأصله وحارته وحبيبته التى لعبت دورها الفنانة المعتزلة «دينار» وقد كان، انتهى فيلم كابوريا كما أراد «الشماع» وليس كما أراد منتجه «حسين الإمام».

الفيلسوف التائه أو د. عصام الشماع لم يكن كاتباً عادياً إنما كان كاتباً من طراز رفيع وعليك أن تنظر فقط إلى أبطال أعماله ومهنهم، فجميعهم يعيشون على الهامش، ويرفضون فى الوقت نفسه الاستسلام لتلك الحياة البائسة.

عاش «الشماع» عمره كله يبحث عن لحظات تشبه لحظات انتصار أبطاله، انتصر أحياناً كثيرة فى الكتابة، وأحياناً فى الإخراج، وأحياناً أخرى كفيلسوف كبير، عاش فى الحياة كناجٍ وليس كضحية، رحمه الله وطيب ثراه.