«قمة الإعلام العربي» في دبي

فى الأسبوع الماضى، كان الإعلام العربى على موعد مع حدث مهم ومؤثر، حين انطلقت أعمال «قمة الإعلام العربى» لعام 2024، حيث اجتمع آلاف من العاملين فى صناعة الإعلام والمهتمين به من مختلف أنحاء العالم، ليناقشوا التطورات الجديدة فى هذا المجال، ويستشرفوا مآلات الصناعة، وتوجهاتها الرئيسية.

و«قمة الإعلام العربى» هى تعبير جامع لعدد من الأنشطة والفعاليات المتميزة، التى تسعى لتعزيز صناعة الإعلام، وضمان استدامتها؛ وقد تضمّنت فى دورتها لهذا العام انعقاد «منتدى الإعلام العربى الـ22»، و«منتدى الإعلام العربى للشباب»، فضلاً عن «جائزة الإعلام العربى الـ23»، و«جائزة رواد التواصل الاجتماعى العرب» فى دورتها الرابعة.

ومن الواضح أن دبى نجحت مجدداً، من خلال انعقاد تلك القمة الناجحة، فى تكريس مكانتها كإحدى الحواضن الرئيسية للإعلام العربى، وهو الأمر الذى يتحقّق من خلال جملة من المنصات والأنشطة والمؤسسات الفاعلة، التى تستهدف متابعة أنماط الأداء والتطورات المختلفة فى صناعة الإعلام، ورصدها، وتحليلها، واستشراف مآلاتها، ومكافأة المتميز منها، عبر أدوات متنوعة، تتكامل لإدراك الهدف المنشود.

وفى دورة «منتدى الإعلام العربى» لهذا العام، حرص القائمون على التنظيم على إكساب المناقشات طابعاً حيوياً، عبر فتح باب النقاش بخصوص ثنائيات مميزة تستأثر بالاهتمام فى صناعة الإعلام؛ مثل الثنائية التى تظهر بين وسائل الإعلام التقليدية وتلك الجديدة، وبين الأجيال المخضرمة والأجيال الشابة، وبين الراديو والبودكاست، وبين الأخبار الجادة والمحتوى الترفيهى.

كما ظهر اهتمام واضح من المنظمين بدراسة موضوع التأثير فى صناعة الإعلام، وكيف تغيّرت آليات هذا التأثير بسبب تغيّر الوسائط، وإلى أى حد تبدّلت سمات المؤثرين بسبب تطور الأدوات التى يستخدمونها فى الوصول إلى الجمهور.

والشاهد أن دبى خصوصاً، ودولة الإمارات العربية المتحدة عموماً، تنظر إلى الإعلام بوصفه إطاراً يجب التمركز فيه والنفاذ عبره من أجل تحقيق المصلحة الوطنية، وبناء سمعة الدولة، وتعزيز قوتها الناعمة؛ وهى من أجل ذلك لا تكتفى بتوفير الموارد الضخمة، ولكنها أيضاً تتبع نهجاً مؤسسياً لإدارتها، ولا تتوقف عن اجتراح الجديد فى هذا الصدد.

وضمن هذا النهج، يبرز إدراك كبير لأدوار المؤسسات فى ترسيخ صناعة الإعلام الجادة والمسئولة والناجحة، وإمدادها بفرص البقاء والاستدامة والنمو والقدرة على تحقيق الأهداف.

لذلك، فقد جرى إنشاء «نادى دبى للصحافة»، ليخدم الإعلام العربى والعاملين فيه، وتلا ذلك إطلاق آليتى عمل إقليميتين فاعلتين؛ أولاهما تمثلت فى «منتدى الإعلام العربى»، الذى يُعقد سنوياً بمشاركة آلاف الخبراء والأكاديميين والعاملين فى صناعة الإعلام بالمنطقة العربية والعالم.

ويمثل أفضل منتدى عربى جامع للنقاش والبحث وتداول الأفكار المتعلقة بالإعلام، وثانيتهما تمثلت فى «جائزة الصحافة العربية»، التى تحولت عام 2021 إلى «جائزة الإعلام العربى»، بعدما حقّقت انطلاقة قوية، وراحت تتطور باطراد، وتتحول إلى أفضل آلية لتحفيز الوسط الإعلامى العربى على إنتاج المواد الإعلامية بشكل مهنى واحترافى.

ولم يمر الكثير من الوقت حتى أنشأت دبى «مدينة دبى للإعلام»، وهى المدينة التى ظهرت فى عام 2001، وقدّمت الفرص السانحة لمؤسسات الإعلام العربية والأجنبية لتعمل من خلالها، وتستفيد من تسهيلاتها؛ حيث باتت تضم مقار رئيسية ومكاتب لمؤسسات مثل «بى بى سى»، و«أ.ب»، و«أ.ف.ب»، و«بلومبرج»، و«سى إن إن»، و«إم بى سى»، وغيرها من المؤسسات الإعلامية البارزة.

وقد استطاعت هذه المدينة، عبر قدر من الانفتاح معتبر فى ظل بيئة إقليمية ودولية شائكة، أن تستقطب المزيد من المؤسسات للعمل فيها يوماً بعد يوم.

وفى عام 2003، تم إنشاء «مدينة دبى للإنتاج»، وهى عبارة عن منطقة حرة مخصّصة لأنشطة الإنتاج الإعلامى، تُتاح من خلالها الفرص لبيوت الإعلام العالمية لاستغلال التسهيلات الكبيرة لإنتاج موادها الإعلامية، وبمرور الوقت بات الجمهور العالمى يستمتع بمشاهدة منتجات جذّابة تم إنتاجها فى هذه المدينة.

ولم تتوقف دبى عن تعزيز نهجها المؤسسى لخدمة صناعة الإعلام، إذ أنشأت فى عام 2005 «مدينة دبى للاستوديوهات» على مساحة 22 مليون قدم مربعة؛ وهى المدينة التى استطاعت أن تجذب عدداً كبيراً من مؤسسات الإنتاج الإعلامى العالمية المرموقة للعمل خلالها، اعتماداً على وجود المناخ المناسب للعمل، والتسهيلات الإنتاجية واللوجيستية الفائقة.

واليوم، وعبر التزام النهج المؤسسى، باتت آلاف الشركات الإعلامية المتخصّصة من جميع أنحاء العالم، وعشرات الآلاف من المهنيين المتخصصين يعملون فى هذه المدن الثلاث.وعندما بدأت إمكانيات «السوشيال ميديا» تتعاظم، وراح تأثيرها يتضاعف، أطلقت دبى «قمة رواد التواصل الاجتماعى» فى عام 2015، قبل أن تطلق «جائزة رواد التواصل الاجتماعى»، وتؤسّس نادياً لهم.

عبر هذه الأذرع الثلاثة دخلت دبى إلى عالم المؤثرين الجُدد، وباتت لديها منصة دائمة لهم، وجائزة لأبرز الفاعلين بينهم، وقمة لمناقشة التطورات المتسارعة فى عالمهم.تلك قصة موحية وملهمة، يمكن أن تساعد الراغبين فى اجتراح النجاح فى هذا المجال الحيوى وعظيم الأثر، إذا امتلكوا الرؤية والمثابرة والتزموا النهج المؤسسى.

وفى الأسبوع الماضى، كانت «قمة الإعلام العربى» فى دبى تشهد تضافراً وتكاملاً فريداً لعمل هذه المنصات والآليات كلها، وهو تكامل أثمر أثراً واضحاً فى مسار خدمة الإعلام العربى وتعزيز أدائه.