ثلاث مرات فى حياتى أطلت فيها ذقنى ولم أحلقها لعدة أشهر، لكن فى الثلاث مرات كان سبب إطالتها مختلفا وسبب حلاقتها مختلفاً أيضاً.
أول مرة أطلت فيها ذقنى كان فى بدايات سنوات الجامعة، عندما تدينت والتزمت بما ظننته الطريق المستقيم، عندما ذهب صديق عمرى لدرس دين ثم اختفى أربعة أسابيع.
بعد عزلته ليتأهب للحديث معى -حتى لا أفتنه- أتى هو وفتننى، قال لى كيف أننا ضالون فى هذه الحياة، بعداء عن الطريق المستقيم، كان كمن اكتشف منجم ذهب يريد أخذى إليه، قال لى إننى لو صادق فى رغبتى فى متابعته علىّ أن أمسح كل نمر الفتيات التى على هاتفى حالا -بمن فيهن حبيبتى التى أحببتها لأعوام- وأن أرمى علبة سجائرى فى الزبالة، وقد فعلت. أخذنى لصلاة الفجر «الحقيقية» فى الجامع الذى لا ينافق الحاكم، كلمنى عن حلم الخلافة والدولة الإسلامية ورفض استيراد القيم الفرنجية كالديمقراطية وغيرها. أخذنى لدروس الشيخ فلان وأعطانى شرائط الشيخ علان وحكى لى عن شجاعة الشيخ سلان فى محبسه فى أمن الدولة وعن صديق صديقه المختص فى تسفير المجاهدين لأفغانستان، تمنيت أن يكون يوما أحد هؤلاء لأنال يوما الشهادة.
لكننى كنت أكذب عليه لأننى لم أستطع أن أتوقف عن التدخين، كنت أدخن بشراهة قبل أن ألقاه، لم تجد صلواتى ودموعى فى سجودى وأنا أدعو الله أن يشفينى من هذا المرض اللعين وحب هذه الآفة، كنت أبكى له أيضاً أن ينسينى حبيبتى التى لا أتوقف عن التفكير فيها لكننى بين الحين والآخر كنت أراوغ نفسى وأكلمها «قال إيه» علشان أدعوها للهداية.
شعرت أننى اثنان، أننى منافق، خصوصا أننى لم أجد الله، لم أشعر أننى أتقرب له قيد أنملة، شعرت فقط أننى أصبحت كمشجع متعصب لنادٍ أو لفكرة أو لرمز، لكن ليس لرب. وقفت وحلقت ذقنى. لم أشعر براحة لكنى شعرت بعذاب أقل. بعدها بشهور انفصلنا أنا وحبيبتى -القديمة- وتوقفت عن التدخين بإرادتى.. أو ربما لأن الله تقبل دعائى.
المرة الثانية أطلقتها اكتئابا لوجودى فى كلية لا أحبها ولا أتخيل نفسى أعمل بها، لن أعمل يوما فى وظيفة فقط لأرضى أهلى، لن يكون ذلك أنا، حلقت ذقنى وقتها وأنا مصمم أن أحيا حياتى مدركاً أنها حياتى.
المرة الثالثة أطلتها لأكذب فى سنى، كنت أظن أنه لو علم منتج أول أفلامى أن عمرى ٢٣ سنة لن يدعنى أخرجه، كنت أكذب عليه وأقول له إن عمرى ٢٨ سنة، أخرجت الفيلم لكنى بعدها ظللت أتباهى بينى وبين نفسى أننى أخرجت فيلما -مهما كان مستواه- وأنا فى هذه السن، حلقت ذقنى للمرة الثالثة وأصبحت أصحح معلومة سنى لكل من ألقاه.
قد أكون أدركت الآن فقط، أن هناك تشابها ما بين المرات الثلاث.