إن الحمد والنعمة لك والملك

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

شعار الحجيج «إن الحمدَ والنعمةَ لك والملكَ».. إن الحمد لله، وإن النعمة لله، وإن المُلك لله، أما الحمد لله فيكون على المكروه والمحبوب، ولهذا تعجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من أمر المؤمن، فأمره كله خير، وإن أصابه خير شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فهو دائر بين الشكر والصبر، وكلاهما من حمد الله عز وجل.

وقد بدأ الله خمس سور فى القرآن الكريم بـ«الحمد لله»، سورة الأَنْعام وأولها: (الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض)، إشارة إلى الحمد فى البداية، بداية الخلق، وسورة سبأ: (الحمد لله الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض وله الحمد فى الآخرة)، إشارة إلى الحمد فى النهاية، نهاية العمر أو الآخرة، وبين البداية والنهاية أرزاق معنوية روحية نورانية، وأرزاق حسية دنيوية، أما الأرزاق المعنوية فجاء لها الحمد الذى فى أول سورة الكهف: (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب) أى القرآن الكريم، أما الأرزاق الحسية فجاء لها الحمد الذى فى أول سورة فاطر: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض... يزيد فى الخلق ما يشاء)، وختم كل ذلك بأعظم سورة، سورة الفاتحة، فقال: «الحمد لله رب العالمين»، يعنى: رب البداية ورب النهاية ورب ما بينهما من أرزاق معنوية وحسية.

ونِعم الله كثيرة، كلها لله، وللنعم أصول وفروع، فمن فروع النعم: البسطة فى العلم والمال والجسم، والتزام الآداب والمستحبات وبعض الواجبات، ومن أصول النعم: الصحة والعافية والوقت وسلامة السمع والبصر والجوارح ونعمة الأمن ونعمة الوطن (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، وقال عن خليله إبراهيم: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ)، وقال: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، وإذا انصرف الخلق عن شكر النعمة، فبسبب الجهل بالمنعم -سبحانه وتعالى-، والغفلة عن إنعامه الكثير المتواصل، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا)، وإذا تعود الإنسان على النعمة فلم يشكرها، وتكبر بها، لم يستشعرها إلا عندما يفتقدها، فالنعمة لا ندركها إلا عندما تُسلب منا، والعلاج هو «الذكرى» (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

أما الملك كله من الرئيس إلى الخفير، فهو لله، لله الذى له ملك السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، ثم سبحانه يستخلف من عباده من يشاء، وينزعه عن ملكه متى شاء، لا مجال للوساطة أو الشفاعة أو الخطط والمكر والخبث والدهاء، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وهذا عام فى كل زمان ومكان، فيما مضى وفى المستقبل، هو المالك لكل شىءٍ، وهو القادر على كل شىءٍ، على نزع الملك ممن يشاء، وإعطائه مَن يشاء، وإعزاز مَن يشاء، وإذلال مَن يشاء، فيما مضى من الزمان، وفيما يأتى.

هذا شعار الركن الخامس من أركان الإسلام، وفى الحج من الفوائد الكبيرة، والمنافع الغزيرة، والعوائد الحميدة ما لا يُعد ولا يحصى، «وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالَاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم»، فالحج مؤتمر كبير يبعث فى المسلمين روح الوحدة والترابط والألفة، والاجتماع والائتلاف، وكيف لا يجتمعون وربهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، ولباسهم واحد، وشعارهم واحد، شعار العزة والكرامة والشموخ، وأنت تملأ قلبك وأذنك وتردد: «إن الحمد والنعمة لك والملك».. فحين يعيش الإنسان هذا المعنى لا يذل نفسه، ولا ينافق، ولا يداهن، ولا يحسد، ولا يحقد، ولا ييأس، لأنه يعلم أن مرسل النعم وصاحب الحمد والملك هو الله وحده.