التحديات الكبرى والاستجابات الشاملة

أيام صعبة وقاسية تعيشها منطقة الشرق الأوسط راهناً، ولا تكمن صعوبة تلك الأيام فقط فيما نشهده من حرب ضارية فى قطاع غزة، أو فيما ينجم عنها من قتل وتدمير وتشريد ومآسٍ مريرة، ولكن فيما يمكن أن تسفر عنه تلك الأزمة الخطيرة أيضاً من تداعيات وتطورات، قد تعيد صياغة شكل المنطقة وتفاعلات دولها لسنوات.

ولأسباب عديدة، فقد أُلقى على عاتق مصر الكثير من المسئوليات حيال تلك الحرب، وهو الأمر الذى فرض عليها تحديات كبرى؛ بعضها يتصل بتأمين ترابها الوطنى ومصالحها العملية، وبعضها الآخر يتعلق بدورها فى قيادة المفاوضات للوصول إلى حل سياسى قابل للاستدامة، وبعضها أيضاً يختص بالطريقة التى ستصوغ بها مستقبل علاقاتها بالطرف الإسرائيلى، فى ظل توترات نادرة، وضعت العلاقات بين الدولتين على المحك.

وبموازاة ذلك التحدى الذى تؤججه حرب غزة، وما قد ينجم عنها ويتصل بها من حروب أخرى لا نأمل أبداً فى وقوعها، تظهر مشكلات أخرى عميقة على الحدود الجنوبية، حيث ينخرط أبناء السودان الشقيق فى صراع دموى، يفاقم أزمات هذا البلد، ويُصدّر بعضها إلى دول الجوار، وفى مقدمتها مصر بطبيعة الحال.

ولا يتوقف المحور الاستراتيجى الغربى بدوره عن تصدير القلق، حيث تجرى المحاولات السياسية لإعادة الاستقرار إلى ليبيا، وإجراء الانتخابات التى يُؤمل أن تفضى إلى حكومة واحدة، يمكن أن تعيد الأمن لهذا البلد الشقيق، وتضعه على السكة الصحيحة للتنمية، بما يخفف المشكلات والضغوط التى تنشأ على حدودنا الغربية.

أما التحديات الداخلية؛ فهى أيضاً متعددة، ولا تقل خطورة وأهمية، وعلى رأسها بطبيعة الحال المشكلة الاقتصادية، التى تحتاج حلولاً جريئة ومُبدعة للحد من أثرها وتحجيم تداعياتها.

نحن نعلم جيداً أن التحديات العاتية يمكن أن تفرض نفسها على كثير من البلدان، وحتى فى أعظم الدول وأكثرها تقدماً واستقراراً، لا يخلو الأمر من مواجهة تحديات خطيرة وتهديدات عدائية أو مآزق صعبة، وحين يحدث ذلك، فإن القدرات الشاملة للدولة وطريقة إدارتها للأمور تحدد مدى نجاحها فى اجتياز تلك التحديات والعبور إلى شواطئ السلامة.

لكن قدرة أى دولة على تشخيص المخاطر التى تحدق بها، واقتراح البدائل المناسبة لمواجهتها، وقياس تكلفة كل بديل فى مقابل العائد المتوقع منه، هى عملية ضرورية ومعقدة وصعبة فى آن.يعتقد البعض أن مواجهة التحديات تحتاج فقط إلى وجود حكومة قوية تتحلى بالكفاءة، ولذلك، فإن كثيرين يعتقدون أن الوصول إلى تشكيلة حكومية فعالة، ضمن المشاورات التى تجرى راهناً، يمكن أن يكون وحده حلاً واستجابة ناجعة فى مثل حالتنا، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة.

فالشاهد أن أى دولة تنطوى على الحد الأدنى الملائم من التنظيم وتفعيل القدرات فى عالمنا المعاصر لا يمكنها أن تواجه مثل تلك التحديات الخطيرة عبر امتلاك حكومة قوية فقط، وفى غيبة أدوات معينة تُمكّنها من تحقيق المعادلة الصعبة فى إدراك المخاطر التى تحيق بها من جانب، واقتراح البدائل المناسبة لمواجهتها من جانب آخر.

ومن تلك الأدوات بطبيعة الحال امتلاك مؤسسات علمية فعالة ويقظة يمكنها رصد المخاطر وتعيينها على نحو دقيق، وهى مؤسسات يجب أن تتحلى بقدر مناسب من الثقة والاحترافية ونجاعة الأداء.

وإلى جانب تلك المؤسسات يجب أن تكون هناك مراكز تفكير متخصصة يمكنها أن تساعد فى تزويد صانع القرار بالبدائل المناسبة وحساب تكاليفها وعوائدها بطريقة علمية تعتمد أساليب برهنة دقيقة.

وتلعب الأحزاب السياسية المنظمة تنظيماً جيداً دوراً مهماً فى هذا الصدد، فسواء كانت تلك الأحزاب ضمن فصائل الموالاة أو المعارضة، فمن المفترض أن تمتلك قدرات مؤسسية وخبرات كافية لكى تطرح خيارات وبدائل مدروسة، وهى بدائل يمكن للمنظومة الحاكمة أن تستفيد منها، فضلاً عما تشكله تلك الأحزاب عادة من ضغط محمود على المؤسسات الرسمية لتقويم أدائها وتعزيزه عبر نقد ما قد يظهر فيه من جوانب نقص.

وبموازاة هذا الجهد البحثى والحزبى، فإن وجود مجال عام نشط سيساعد المؤسسات الرسمية فى إدراك الرأى العام وفهمه والاطلاع على انشغالاته وأسئلته وهواجسه، بل إنه سيسهم أيضاً بكل تأكيد فى طرح المزيد من البدائل والاختيارات وفى سبر أبعادها المختلفة.

ثمة الكثير من الاعتوارات وجوانب الخلل التى قد تكتنف أداء مؤسسات التفكير والبحث المستقلة التى تعتمد أساليب علمية احترافية فى عملها، كما أن الحياة الحزبية حتى فى أعتى الديمقراطيات يمكن أن تنطوى على مثالب عديدة، وكذلك، فإن المجال العام فى العديد من الدول المتقدمة يمكن أن يقبل الضغوط ويحفل بأنماط التلاعب، لكن كل تلك المخاطر يمكن استيعابها وتجاوز آثارها السلبية، إذا ما أُحسن التعامل معها، وتحشيدها من أجل تعزيز الاستجابة الوطنية للتحديات الكبرى.

فى ظل تلك التحديات الكبيرة، الظاهر منها والذى لم يظهر بعد، ينبغى أن تُفعّل الدولة المصرية تلك الأدوات كلها، وأن تضمن لها تأدية أدوارها، التى ستعزز الاستجابة الوطنية، وستساعد الحكومة المُنتظرة فى القيام بدورها فى تلك الأوقات الصعبة.