الحياة على طريقة ليلى طاهر
هل جربت الحياة على طريقة ليلى طاهر؟ أعتقد أن الأمر بحاجة إلى التجربة حقاً، فهذه السيدة تملك سراً خاصاً للحياة لا يمتلكه كثيرون يمكن تلخيصه فى كلمتين اثنتين: «البساطة والحزم» قد يبدو الأمر سهلاً، لكنه ليس كذلك على الإطلاق لذا وجدتنى أتأمل طويلاً فى حياتها، لأتعلم كيف يمكن للمرء أن يعيش على طريقته الخاصة، دون إفراط أو تفريط، أن يؤدى رسالته ويحتفظ بوقاره، وينجز أدواره على كافة المستويات بذات القدر من الدقة والإحسان.
الدرس الأول بالنسبة لى فى حياة تلك السيدة أنه بإمكان المرء أن يختار الأنسب له، حتى لو كان اختياره أن يبقى فى الصف الثانى إن كان الأول لا يوفر له ما يريد، فرغم بدايتها كبطلة أولى فى فيلم أبوحديد أمام فريد شوقى عام 1958، بعدما اكتشفها رمسيس نجيب، فإنها قررت بطريقة ما أن متطلبات الأدوار الأولى من جهد ونمط حياة بعينه قد لا يناسبها، لذا انسحبت بإرادتها إلى الأدوار الثانية، ثم قررت لاحقاً أن الأكثر مناسبة لها هو العمل التليفزيونى، لذا وما إن افتتح التليفزيون أبوابه حتى عملت فى الكثير من المسلسلات، منها «عادات وتقاليد» و«الليل والبرارى» و«عائلة شلش» و«الزواج على طريقتى» وغيرها من الأعمال الفنية التى صارت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجمعية للمصريين، بحيث لم يعد اسم «ليلى طاهر» مجرد اسم لفنانة متمكنة، ولكنه ركن من أركان الوعى الجمعى لأوقات سعيدة وهادئة عاشها الجميع، ووجه يطمئن به من يراه.
من السهل أن تأتيك الفرص، لكن من الصعب أن تجيد اختيار ما يلائمك منها، هكذا فعلت ليلى طاهر، فلا هى انقطعت عن السينما، حيث قدمت أشهر أدوارها فى «الأيدى الناعمة» و«الناصر صلاح الدين» فى العام 1963، و«أريد حلاً» عام 1975، وحتى دورها فى فيلم «رمضان أبوالعلمين حمودة» عام 2008، ولا خاصمت المسرح فقدمت أعمالاً لا تنسى مثل «الدبور» و«غراميات عفيفى»، و«رصاصة فى القلب»، ولا بخلت على التليفزيون، بأعمال قدمت خلالها ما تريد بالشكل الذى يلائمها ويلائم حياتها، لكن هذا ليس كل شىء بشأن الفنانة التى يخطئ الجميع فى تاريخ مولدها، فبحسب كتاب دليل الممثل العربى للكاتب محمود قاسم فإن الفنانة ليلى طاهر ولدت فى العام 1939 وليس 1942 كما يشاع.
تمنحك هذه السيدة أيضاً درساً فى الطريقة التى يمكن أن تكون عليها الحياة الشخصية للمرء، بذات القانون «بسيطة وحازمة»، حين يدق قلبها تبدأ حياة جديدة، هكذا فعلت فى زيجاتها جميعاً، من رجل الأعمال مصطفى الشربينى، أو أى من الفنان يوسف شعبان، أو الملحن خالد الأمير، أو المخرج حسين فوزى، لكنى لا أنسى تلك القصة التى قرأتها فى كتاب «بين السيف والقلم رحلة عمر» للكاتب صلاح فايز والصادر عام 1971، حيث وثق فيه، باعتباره شاهداً الطريقة التى تزوجت بها الملحن خالد الأمير، بداية التعارف بينهما، يقول: «كنا أنا وخالد مدعوين للسهر عند الملك فريد شوقى فى فيلته بالعجوزة، واصطحب خالد عوده معه، وكان يدندن أغنية رومانسية تقول: باقولك إيه.. مانتش غريب بلاش يا روحى تروح تغيب، معندكش فكرة فى البعد عنك أنا بابقى إيه!! كانت تلك الأغنية الخيط الأول الذى ربط بين خالد الأمير والفنانة ليلى طاهر، حيث ظل يدندن بها طول الطريق، وحين وصل قام بغناء مذهب من الأغنية بصوته الحنون ولم تنته السهرة إلا وكل منهما كان قد أتم تعارفه على الآخر» هكذا ببساطة ولطف، تبدأ القصص، وعند نقطة بعينها، لا تسمح السيدة الجميلة بالنهايات المأساوية، تنتهى الأمور بذات الطريقة اللطيفة، اللائقة، لتبدأ من جديد، أو لا تبدأ أبداً، حسب اختيارها.
من بين صورها جميعاً، أحب الصور التى تجمعها بابنها، الأستاذ الجامعى الدكتور أحمد الشربينى، ربما هذا هو «العمل» الأعظم والأكبر فى حياة تلك السيدة التى يحرص ابنها رغم مشاغله العديدة على الاحتفاء بعيد ميلادها، عاماً بعد آخر، سيرة ذاتية مشرفة وعظيمة للرجل الذى عمل كرئيس سابق للمعهد القومى للاتصالات فى القرية الذكية، والذى تولى منصب المشرف العام على مشروع المتحف القومى للحضارة المصرية فى منطقة الفسطاط لمدة عام، وغيرها من الأدوار المشرفة.
ربما كل ما يتعلق بليلى طاهر «كوم» وتلك العلاقة التى تجمعها بزوجة ابنها، الفنانة عزة لبيب «كوم آخر»، حيث كشفت لى وجهاً آخر لتلك السيدة الفاضلة، كـ«حماة»، حيث صرحت «لبيب» فى لقاء تليفزيونى سابق وقالت: «لقد عوضتنى كثيراً عن غياب الأم، حتى عندما يحدث خلاف بسيط مع زوجى تتدخل لصالحى، ووجودى معها فى منزل واحد ساعد فى تقريب العلاقة بيننا، خصوصاً أن ابنتى تدرس فى الخارج وزوجى يسافر كثيراً، صارت هناك طقوس معتادة بيننا طوال الوقت مثل أن نقضى يوم الجمعة معاً، أو نفطر معاً طوال شهر رمضان، تعلمت منها الالتزام بالمواعيد، وأن أحترم عملى بشدة»