الحروب الجوفية في الشرق الأوسط

لطفى سالمان

لطفى سالمان

كاتب صحفي

حين نفذت حركة حماس عملية 7 أكتوبر، وهجمت هجمتها غير التقليدية على إسرائيل، توعدت «تل أبيب» بسحق «حماس» وقادتها كلياً وإلى الأبد.

كان هذا الوعيد جزءاً من استراتيجية الردع التى انتهجتها طيلة 7 عقود: من يضرب إسرائيل ضربة تردها عشراً، بتعبير بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى.

استراتيجية الردع الاستباقى هذه كانت الضامن الأوحد لإسرائيل، فى فترات طويلة، لإبقاء تهديدات خصومها مجرد تهديدات.مرت 10 أشهر على هذا الوعيد، وما زالت إسرائيل غير قادرة على تنفيذ ما تعهدت به لشعبها.

وعلى عكس ذلك، قُتِل أكثر من 300 جندى إسرائيلى، وهو ما يطابق تقديرات عدد القتلى خلال الانتفاضة الثانية (2000-2005) وأكثر من ضعف عدد القتلى فى حرب لبنان عام 2006.

وما زال قادة «حماس» أحياء يخططون ويدبرون ويستمعون لتوسلات المجتمع الإسرائيلى للإفراج عن الرهائن، ويتفقدون، فى بعض الأحيان، قواعدهم، ويضعون شروطهم على مسرح المفاوضات، رغم الحصار الإسرائيلى، بتفاصيله شديدة التعقيد والصعوبة.

هذا كله إلى جانب الخسائر الاقتصادية الفادحة والاستقطاب السياسى القائم وتوتر علاقات إسرائيل الدبلوماسية مع كثير ممن كانوا حلفاءها، وانهيار نظرية الأمن، التى هى أساس تكوين الدولة الإسرائيلية ومصدر بقاء مواطنيها.

هذا التناقض، الذى هو انعكاس للفشل الإسرائيلى، لم يكن ليحدث لولا أنفاق «حماس» شديدة التطور والحداثة.

نظام كامل أسفل القطاع، تتجاوز مساحته الكلية (365 كيلو)، ويمتد للداخل الإسرائيلى، وفقاً لبعض التقديرات.

هذا النمط من الأنفاق، تجاوز الشكل التقليدى لأنفاق الجماعات الإسلاموية فى شقوق الجبال أو فى محاضن الأرض.

جميع التقديرات تشير إلى أن أنفاق «حماس»، شديدة العمق والمتانة، تتسع لشاحنات ضخمة، ومجهزة بكل سبل الإعاشة والمؤن ومنافذ التهوية ووسائل الاتصال والمتابعة وتخبئة الرهائن والجثث.

باليقين، هذا الشكل من التخطيط يستنسخ مراكز القيادة والتحكم فى الدول، ويتجاوز الأنماط التقليدية من التخطيط الاستراتيجى للجماعات من غير الدول.

استراتيجياً، يعكس هذا النمط المتطور من الأنفاق قيمة العمق وسطوته، فى مقابل ما تمثله قيمة السطح فى حروب المستقبل.

بلغة الحروب وبتعبير ريتشموند باراك، فى فورين أفيرز، العالم أمام نمط من الحروب، يمكن توصيفه بـ«الحرب الجوفية».

بلغة الأكاديميا، إذا كان التوصيف السياسى للشرق الأوسط بعدم اليقين، فإن الصدامات المستقبلية المسلحة، فى الشرق الأوسط، يمكن توصيفها بحروب باطن الأرض.

تكتيكات جز العشب الإسرائيلية انتهت صلاحيتها.

باليقين، أنفاق «حماس» تتجاوز مسألة الأزمة القائمة أو الصدام الجارى للاستثمار المستقبلى.

وحزب الله، كما «حماس»، لديه أنفاقه، التى يُقال إنها تصل لداخل إسرائيل.

ولأن الفاعلين فى الشرق الأوسط لا يؤمنون بأن تكلفة السلام أقل من تكلفة الحرب، باليقين، تستلهم جماعات أخرى، من غير الدول، هذا النمط الاستراتيجى من القتال، بعدما أثبت فاعليته فى مواجهة تكنولوجيا إسرائيل شديدة التطور.

الحوثيون أدركوا القواعد الجديدة للصراع، وبدأوا فى الاتجاه نحو باطن الأرض.

صور الأقمار الصناعية، التى حللها المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية، فى أبريل الماضى، أظهرت أنفاقاً ضخمة يبنيها الحوثيون.

صحيح أن الحوثيين عرفوا الكهوف والشقوق فى بدايات التدشين، مطلع الألفية، لكن الصحيح أيضاً أن الأنفاق الجديدة أقرب فى نمطها وشكلها وهياكلها الداخلية لأنفاق «حماس»، تتسع لشحنات ضخمة، وفى مناطق جبلية استراتيجية، تتحمل صدمات الضربات الجوية، وتصعب من المواجهات على الأرض، إن وصلت الأمور للأرض.

هذه الأنفاق الجديدة للحوثيين ليست وحدها.

الجماعة اليمنية اكتشفت الأنفاق التى بناها النظام اليمنى طيلة حكم الرئيس الأسبق على عبدالله صالح.

بعض هذه الأنفاق، شديدة التأمين، التى استخدمت فى حماية قيادات الدولة اليمنية فى هذا التوقيت، قادرة على صد أى ضربات جوية قد تطول الحوثيين، علاوة على كونها مخزناً شديد التأمين لصواريخ سكودا، التى تمتلكها الجماعة والطائرات بدون طيار.

الشرق الأوسط المأزوم، يشهد نمطاً جديداً من الحروب، يكتسب فيه العمق قيمة استراتيجية بالغة، تتجاوز النمط التقليدى من حروب السطح.

هذا النمط من الحروب أنهى صلاحية استراتيجيات المواجهة التقليدية، وأثبت أن التكنولوجيا وحدها لا يمكن أن تحسم الحرب، رغم تطورها أو حجم الاستثمار فيها.