ياسر الشيمي يكتب: سيدة الثقافة الأولى.. سهير القلماوي أيقونة متفردة

كتب: ياسر الشيمي

ياسر الشيمي يكتب: سيدة الثقافة الأولى.. سهير القلماوي أيقونة متفردة

ياسر الشيمي يكتب: سيدة الثقافة الأولى.. سهير القلماوي أيقونة متفردة

كانت الدكتورة سهير القلماوي، التي رحلت عن عالمنا في الـ4 من مايو 1997، أيقونة ثقافية مصرية وعربية لامعة، شخصية مفكرة ومؤثرة، تركت بصمات عميقة في مختلف مجالات الثقافة والأدب، بمسيرة حافلة بالإنجازات، إذ ولدت بالقاهرة في الـ20 يوليو 1911، لعائلة ثرية تهتم بالتعليم، ما أتاح لها فرصة الالتحاق بأفضل المدارس، بالتزامن مع تجليات ثورة 1919 البديعة.

وصفتها الكاتبة الصحفية الكبيرة سناء البيسي، في مقال بديع، نُشر بمجلة معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورة اليوبيل الذهبي عام 2019، بأنها «سيدة الكِتاب»، إثر اختيارها شخصية للدورة، مناصفة مع الدكتور ثروت عكاشة أول وزير ثقافة فعلي وعملي بعد ثورة 23 يوليو 1952، لما لهما من فضل في إقامة أول معرض دولي للكتاب في مصر عام 1969.

مسيرة «القلماوي» الحافلة في شتى المجالات، تجعلنا ندرك قيمة «المرأة المصرية» على مر العصور، إذ لم تكن مصادفة أن تتحدى هذه الفتاة العشرينية، العادات والتقاليد، والجهل والتخلف، تخطو فوق أشواك القهر والظلم والإقصاء، الذي كانت تصطدم به الكثيرات في ثلاثينيات القرن الماضي، بصمود وشموخ وعزة وإباء، لتكون صاحبة السبق التاريخي في كل ما يخص تعليم المرأة وثقافتها، وذات اليد البيضاء على «عظيمات مصر» حتى يومنا هذا، فاتحة الأبواب الموصدة بقوة مدهشة، لكل فتاة بعدها تسعى إلى التخلص من الأغلال، والسير نحو الأمجاد.

الدكتورة سهير محمد القلماوي، بحسب تلميذتها النجيبة الأستاذة سناء البيسي، استطاعت الجمع بين طموحات الرجل وعنفوانه، وصلابة المرأة وأحلامها، إذ تعتبرها وهي محقة في ذلك، بأنها منارة الاستنارة والاتجاه العقلاني في الفكر والحياة، بعد سيرها بجرأة تحسد عليها، عن طريق أستاذها وأبيها الروحي الدكتور طه حسين، لتغدو صاحبة مدرسة علمية متفردة، تخرج فيها أكثر من 100 باحث وباحثة، حصلوا على درجتي الماجستير والدكتوراه على يديها.

بدأت «القلماوي» خطوات الريادة والشموخ مبكرا جدا، حين تمردت على واقعها بعد التحاقها بكلية الآداب، إذ سُجّلت كأول فتاة والوحيدة التي تخطو عتبات جامعة القاهرة، مُحاطة بأربعين رجلا يدرسون الأدب العربي، لتحظى خلال رحلتها الأكاديمية المُتميزة، بتوجيه ورعاية الدكتور طه حسين، رئيس قسمها، ورئيس تحرير مجلة جامعة القاهرة.

تفوقت سهير القلماوي على أقرانها في قسم اللغة العربية عام 1933، لتصبح الأولى على دفعتها، رغم رغبتها في البداية بالالتحاق بكلية الطب، سائرة على خطى والدها الطبيب، فإن طه حسين، صديق العائلة، آمن بقدراتها الفذة، وأصر على توجيهها نحو دروب الأدب واللغة العربية، ولم تخيب ظن أستاذها، فأصبحت من أنجب تلاميذه، مُخلدة ذكراها كأيقونة ثقافية ملهمة.

ومما ذكره الدكتور جابر عصفور، وهو أحد تلاميذها المقربين، أنها نالت شهادة الماجستير عام 1937، في خطوة تاريخية كسرت حاجز التقاليد، ومهدت الطريق لمشاركة المرأة في ميادين العلم والمعرفة، وحرصا من إدارة الجامعة على تجنب أي اضطرابات قد تُثيرها تلك الخطوة المتقدمة، عُقدت مناقشة رسالتها في أحد المدرجات البعيدة عن صخب الطلبة، نظرا لرفضهم تعليم الفتيات.

لم يكتفِ عميد الأدب العربي بتوجيه سهير القلماوي خلال رحلتها الأكاديمية، بل آمن بقدراتها، ومنحها فرصة ذهبية لتصبح مساعدته في رئاسة تحرير مجلة جامعة القاهرة عام 1932، وبذلك سُجّلت كأول امرأة تحصل على رخصة الصحافة في مصر.

لم تتوقف إنجازاتها عند هذا الحد، بل تنوعت مواهبها لتشمل مجال الإعلام، حيث عملت كمذيعة في خدمة البث الإذاعي المصري خلال فترة دراستها، فضلا عن مواصلتها لمسيرتها المتميزة، إذ حصلت على درجة الماجستير في الآداب، ثم نالت منحة لإجراء البحوث في باريس استعدادا لشهادة الدكتوراه، وفي عام 1941، حققت إنجازا تاريخيا كأول امرأة تحصل على شهادة الدكتوراه في الآداب، كأول تتويج حقيقي لجهودها الدؤوبة.

أصبحت سهير القلماوي التي تحتاج إلى مجلدات لسرد مآثرها، وفضائلها، وأفضالها، ومحاسنها، ومحامدها، ومناقبها، وقد يكون لنا عودة دون وعد صارم، المنافس الأوحد لـ«سهير»، إذ حطمت كل الأرقام القياسية في فترة وجيزة، مستحوذة على لقب «الأولى» في مختلف المجالات العلمية والثقافية.

سهير القلماوي أول من درس اتجاهات النقد الأدبي الحديث في الجامعات المصرية، وأول باحثة عربية تثبت لمفكري الغرب ومبدعيه، أن فن القصة والرواية لم يكن اختراعا غربيا، بعدما حصولها على درجة الدكتوراه في الآداب عن بحثها الرائد في المؤلف الروائي الضخم «ألف ليلة وليلة»، المتفرد بمئات القصص التي تجمع بين الحقيقة والخيال والأسطورة والتاريخ.

وكانت بحسب «البيسي»، أول مصرية تحصل على كرسى الأستاذية فى الجامعة المصرية عام 1956، وأول سيدة تولت رئاسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب عام 1958، وأول امرأة تتولى رئاسة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر والترجمة، التي عرفت فيما بعد باسم «هيئة الكِتاب»، وكانت أول سيدة تحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1977، وغير ذلك الكثير من الألقاب التي حققتها سيدة الثقافة المصرية الأولى.

وأثرت المكتبة العربية بالعديد من الأعمال الأدبية والنقدية، من أشهرها «أحاديث جدتي» و«ألف ليلة وليلة»، كما نقلت العديد من الأعمال الأدبية العالمية إلى اللغة العربية، مُعززة جسور التواصل الثقافي، فضلا عن نظرتها الثاقبة ودقتها في التحليل، لتصبح علامة بارزة في مجال النقد الأدبي.

لم تكن سهير القلماوي امرأة عادية قط، بل رمز للقوة والصمود والدأب، إذ يكفيها فخرا وعزة تأسيسها لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1969، ليصبح من أهم المعارض العربية، وأكبر حدث ثقافي في المنطقة، فضلا عن مساهمتها من خلال رئاستها للهيئة المصرية العامة للكتاب، في نشر الوعي الثقافي وتشجيع القراءة ودعم الكتّاب العرب.

تميزت الدكتورة سهير القلماوي رحمها الله، بشخصيتها القوية وعزيمتها الراسخة، فكانت مثالا يحتذى به للنساء العربيات، إذ ألهمت أجيالا من المثقفين والكتاب والمفكرين، ودافعت عن قضايا الثقافة والأدب واللغة العربية، مؤكدة بيقين راسخ دور المرأة العربية الريادي في مجال الثقافة.