محمد مغربي يكتب: الذكاء الاصطناعي بوليس الكهرباء الجديد

كتب: الوطن

محمد مغربي يكتب: الذكاء الاصطناعي بوليس الكهرباء الجديد

محمد مغربي يكتب: الذكاء الاصطناعي بوليس الكهرباء الجديد

يظل الإنسان إنساناً في أي بقعة من بقاع العالم، مهما اختلفت أسماء الدول وألقاب المدن والبيئة التي ينشأ فيها، ومُخطئ من يظن أن شعبنا مختلف عن شعوب العالم، أو أن «الفهلوة» والتحايل على الحكومات حِكر علينا، وإلا لما كان هناك قانون في العالم يعاقب المجرم ويردع المتحايل ويحاول وضع آلية للمشكلات التى تواجهها كل دولة.

وفي ظل عصر الطاقة، وشُحها لأسباب كثيرة، بعضها يتعلق بالتغيرات المناخية التي رفعت درجة حرارة الكوكب حتى صار تأمين الخدمات اليومية للمواطنين يتكلّف فاتورة باهظة، وبعضها بسبب الصراعات والحروب، لم يكن أحد يتوقع أن يجد أوروبا غارقة في الظلام، لكن هذا ما حدث منذ عامين، حين نشب الصراع الروسي - الأوكراني، وبات العالم في أزمة حقيقية.زاد من وتيرة هذه الأزمة سرقة التيار الكهربائى نفسه، بمعنى أن يستفيد به المواطن دون أن يدفع للدولة حقّها، وهذا الأمر تضاعف خلال العامين الماضيين حتى أضحى من التحديات الكبرى التى تواجهها الشركات حول العالم، بسبب ما نتج عنه من خسائر مليارية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن تراجع الإيرادات أثر أيضاً على جودة الخدمة المقدمة للأفراد الذين يدفعون مقابل الخدمة، وهو ما أنتج صنفين من الناس؛ واحد يسرق والثاني مستاء، والجميع خاسر.

هذه الإشكالية دفعت الشركات والحكومات إلى البحث عن طريقة، ولم يكن هناك أفضل من الذكاء الاصطناعي الذي تم توظيفه، وأثبتت التجارب نجاحات فائقة، يُجدر بنا أن نطلع عليها علّنا نطبقها في القريب العاجل، إذ إننا أيضاً دولة تعاني من ارتفاع فاتورة الكهرباء وتحايل الكثيرين.

في البداية، فإن الذكاء الاصطناعى يعمل في أولى مراحله على جمع البيانات، وذلك من عدة مصادر:

1- العدادات الذكية، ومن خلالها يتم القياس الدقيق والفوري لاستهلاك الكهرباء.

2- أجهزة استشعار الشبكة، التي توفّر بيانات عن الجهد والتيار في نقاط مختلفة من الشبكة.

3- سجلات العملاء، التي توضح الأنماط التاريخية للاستهلاك والشكاوى السابقة.

هذه الخطوات الثلاث تؤدي في النهاية إلى وجود بيانات مجمعة تشمل: (استهلاك الطاقة اللحظي والتاريخي، بيانات التوتر الكهربائي والتيار، بيانات الموقع الجغرافي للأجهزة، أوقات الذروة والاستهلاك المنخفض).

وهنا تبدأ المرحلة الثانية التي تسمى معالجة البيانات وتشمل:

1- تنظيف البيانات

من خلال التخلُّص من الضوضاء، أى إزالة البيانات غير الصحيحة، بجانب تحويل البيانات الخام إلى شكل يمكن تحليله بسهولة.

2- تحويل البيانات

ويتم في هذه المرحلة تحليل السلاسل الزمنية، أى تقسيم البيانات إلى فترات زمنية لتحديد الأنماط الدورية، والتعرف على الأنماط، والمقصود بذلك استخدام خوارزميات التعلُّم الآلى لتحديد الأنماط الغريبة.

3- تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعى

في هذه المرحلة، يتم اتخاذ أكثر من خطوة تساعد كلها في ضبط المتلاعبين، وهى خطوات كالتالى:

أولاً: خوارزميات التعلُّم الآلى وتنقسم إلى:

خوارزميات التصنيف، تحديد ما إذا كان نمط استهلاك معين طبيعياً أو مشبوهاً. الغابات العشوائية (Random Forests)، تستخدم لتصنيف الأنماط استناداً إلى العديد من الأشجار القرارية. الشبكات العصبية التلافيفية (CNN)، وتستخدم للتعرف على الأنماط المعقدة في البيانات.

ثانياً: خوارزميات التجميع وتنقسم إلى:

خوارزمية (K-means) وتستخدم لتجميع البيانات وتحديد مجموعات الاستهلاك غير العادية.

التحليل التكتلى الهرمى (Hierarchical Clustering)، ويستخدم لتجميع البيانات في شكل شجرى لتحديد الأنماط المشبوهة.

ثالثاً: تحليل البيانات الزمنية، وتنقسم إلى:

التعلُّم العميق، أى استخدام الشبكات العصبية لتحليل البيانات الزمنية والتنبؤ بالأنماط المستقبلية.

شبكات الذاكرة الطويلة قصيرة الأمد وتستخدم لتحليل البيانات والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية.

رابعاً: الكشف عن الأنماط الشاذة، ويتم ذلك عبر تقنيات الكشف التى تشمل:

تحليل الانحراف المعيارى، أى تحديد القيم التى تتجاوز الانحراف المعيارى المتوقع للاستهلاك. الكشف عن النقاط الشاذة (Outlier Detection) واستخدام تقنيات مثل دعم الآلة المتجهية (SVM) لتحديد النقاط الشاذة في البيانات. إشعارات وتنبيهات من خلال نظام التنبيهات الفورية، وإرسال تنبيهات إلى فرق العمليات عند اكتشاف أنماط استهلاك مشبوهة، وإنشاء تقارير تفصيلية حول هذه الأنماط لتحليلها بواسطة الفرق المختصة.

خامساً: التحقق والتدخل من خلال:

1- التحقق الميدانى عبر التفتيش الفعلى، أى إرسال فرق ميدانية للتحقق من الأنماط المشبوهة المكتشفة، أو باستخدام أجهزة قياس ميدانية محمولة للتأكد من صحة البيانات.

وأخيراً بعد كل هذه المراحل، يتم اتخاذ الإجراءات القانونية عند التأكد من حدوث سرقة، بجانب تحسين الإجراءات التى تمنع من تكرار حدوث الأنماط المشبوهة. هذه المراحل التقنية الخمس وما تحتويه من عناصر وخطوات، ليست مجرد بحث علمى، أو خطوات يدرسها الطلاب في المعاهد التقنية، بل سياسة اتبعتها عدة دول وشركات أبرزها:

شركة (BSES Rajdhani Power Limited) في الهند، وبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعى تمكنت من تقليل خسائر الطاقة بنسبة 25%.

شركة (GE Power) التى طورت نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعى والتعلُّم الآلى لتحليل بيانات الشبكة الذكية، وبفضل ذلك تم تقليل الخسائر الناتجة عن السرقات بنسبة تصل إلى 15%.

شركة (Infosys) التى استندت إلى نظام يعتمد على التعلُّم العميق للكشف عن سرقات التيار الكهربائى وتحليلات متقدمة لتحديد السرقات بدقة عالية، ما أسهم في تقليل الخسائر المالية للشركة.

ويبقى السؤال: متى تلحق مصر بهؤلاء لتوفير فاتورة مليارية ونحن في أمس الحاجة إلى الترشيد؟


مواضيع متعلقة