معضلة «ثيسيوس»

ما هي مصر أو من هي مصر ومن هم المصريون؟ أهُمُ القدماء الذين أسسوا لأعظم حضارة عرفها التاريخ؟ أم هم المعاصرون الذين يرى البعض أنهم أجناس وأعراق مختلطة؟، أو بالأحرى ما الذى يجعل المصريين هم المصريين على مر آلاف السنين ليفتخر المعاصر بما صنع الأسلاف؟!

يرى الكاتب أن هذا التدوين ليس مقالاً، ولكنه نقاش وتفكير، بل وبه كثير من التفلسف حول الهوية والجوهر، أو هو جدل بين ما هو متغير وما نظن أنه ثابت، وقد يطرح هذا فكرة أخرى متعلقة بماهية الثوابت، أو هل يوجد في العلوم النظرية أو التطبيقة ما نستطيع الجزم بأنه ثابت لا محالة، أم أن أي عالم حقيقى لديه قناعة كاملة بأن كل الثوابت ونظريات العلوم قابلة للتغيّر أو حتى الدحض الكامل، وإلا ما حدثت التطورات الهائلة على مر القرون.

يمتد هذا النقاش إلى هوية الإنسان، باعتباره المكون الأولى للشعوب، وبالتالي فإن هوية الشعوب ذاتها قد تكون قابلة للجدل اللانهائي، نبدأ من أسطورة ثيسيوس، كما كتبها الفيلسوف الإغريقي بلوتارك (46 - 120م) على شكل معضلة فلسفية/ منطقية (Paradox) لا تزال قائمة إلى اليوم.. وفيها إن ثيسيوس قام بمغامرة بحرية طويلة، إلا أنه عند عودته كان قد غَيّر جميع ألواح سفينته الخشبية، في أثناء الرحلة وألقى الألواح القديمة منها في الماء، استبدلها بألواح جديدة، والأسئلة:

هل كانت السفينة التي عاد بها ثيسيوس هي السفينة التي غادر بها، مع أنه تم تغيير جميع ألواحها بالكامل؟

ماذا لو بقي في السفينة لوح واحد، ربما لوحان، أو حتى لم يبقَ منها لوح واحد؟ هل يغير ذلك الجواب؟

إذاً ماذا لو اعتبرنا السفينة التي غادر بها ثيسيوس هي (أ) والسفينة التي عاد بها هي (ب)، فهل نعتبر هنا أن «أ» هي «ب»؟

وزادت المعضلة تعقيداً عندما قام الفيلسوف الإنجليزي ثوماس هوبز (1588 - 1679) بوضع فرضيته؛ بأن جامعاً للقمامة كان يتبع سفينة ثيسيوس ويلتقط كل لوح يلقيه (ثيسيوس) من سفينته ويبني منه (جامع القمامة) سفينته أولاً بأول، وأن السفينتين عادتا معاً إلى نفس ذات المكان، ولكن واحدة بُنيت من الخشب الجديد، والأخرى من خشب السفينة القديم.. إذاً أي السفينتين -في هذه الحالة- هي سفينة ثيسيوس؟ ومن هنا سنُسمي سفينة جامع القمامة (ج)، السؤال هنا هل (ب) هي (ج)؟ علماً بأنهما مادياً كل منهما ليست هي الأخرى.

لنعُد مرة أخرى إلى أصل المعضلة؛ ما الذى يجعل سفينة ثيسيوس سفينته؟ هل الأجزاء/ الألواح المصنوعة منها؟ هل هي بنيتها؟ هل هو تاريخ السفينة؟

المؤمنون بنظرية الهوية المنطقية (Mereological Theory) يرون أن هوية شيء ما نابعة في الأساس من هوية الأجزاء المُكون منها، وأن الشرط (الضروري) للهوية هو تماثل أجزائها!

أبحر البطل (الملك) بسفينة وعاد بأخرى كما عاد تابعه (أو القمام) بسفينة بناها بنفسه. فكم عدد السفن التي اشتركت في الرحلة البحرية ثم عادت: اثنتان أم ثلاث؟ فكر قدر المستطاع دون الاحتياج إلى الخروج بتفسير يصفه البعض بأنه منطقي، فسفينة ثيسيوس تجربة فكرية تدور حول الهوية: ما الذي يجعلنا نحن هو نحن؟

هل يختلف الجماد عن الأحياء، سواء كانوا نباتات، أو حيوانات أو بشراً؟

تلك السيارة القديمة التي اشتراها الأب منذ 50 عاماً، فذهب بها إلى عمله وجمع فيها الأسرة عند زيارات يوم الجمعة أو رحلة المصيف كل عام وعلى مدار سنوات تم عمل الصيانة اللازمة وتغيير أغلب المكونات، إن لم يكن كل أجزائها، وبعد 10 أو عشرين سنة ننظر إليها كجزء لا يتجزّأ من ذكريات تلك الأسرة، بل وتكوينها الوجداني، فقد كانت تلك السيارة شريكة في أغلب ما نمر به يومياً ولعقود.

ماذا عنا نحن البشر؟ إن أجزاءً من أجسامنا تتغير مع الزمن، وقد تشيخ وتتلف، وقد نستطيع استبدالها بأجزاء مصنّعة، أو حتى بأجزاء وأعضاء من بشر آخرين، ومع هذا يظل كل واحد منا يعتبر نفسه هي ذاتها؛ هل تظل هويتك هي نفسها إذا فقدت طرفاً من جسمك أو حلقت شعرك، أم أنك لا تكون نفسك أبداً بعد ذلك؟ باعتبار أن جزءاً من تكوينك المادي قد استُبدل!

إذاً هل الهوية هي العقل وما يحمله من منطق أو أحداث أم أنها المشاعر والعواطف المتغيرة دوماً؟

إذا كان الأمر كذلك فهل نبقى نحن هم نحن عندما تُفقد الذاكرة (بألزهايمر) مثلاً؟ أم أننا نحافظ على هويتنا بما تبقى منا وأضيف إلينا أو حتى ما فقدناه، لأننا وبمنتهى البساطة «هذا كله»؟

فالسفينة إذا نظرنا إليها من حيث التكوين المادي، فهي مجرد ألواح من خشب كانت شجرة في ما سبق، وعليه لن ننظر إلى السفينة باعتبارها شجرة أو مجموعة أشجار، وإنما ننظر إلى سفينة ثيسيوس كفكرة مرتبطة بهذا الملك المحارب وكفكرة مرتبطة بكل من عمل على ظهرها أو حتى من شاهدوها من الأصدقاء أو الأعداء.

هوية الأشياء أو الشعوب أو الأمم في رأي الكاتب هي هذا المزيج المتجانس بين الفكرة والتاريخ والانطباع بارتباط غير قابل للتفكيك أو الاجتزاء، أما الوجود أو التكوين المادي فلا أثر مهم له على الهوية التي تُبنى بالتراكم، وما هو إلا مجرد رمز لوجود الشيء، ولكنه ليس هو الشيء.

أهرامات الجيزة ليست الأحجار التي بُنيت منها، وإنما هي نسق التفكير الذي أوصل مهندسي وعلماء مصر القديمة لإقامة هذه الصروح، وإلا لماذا لم يقم بها أىٌّ من الشعوب المجاورة، أو حتى البعيدة في نفس المرحلة التاريخية؟!

لعله نقاش يستمر حول فلسفة الهوية والجوهر، وربما فاتحة للكثير من الأفكار التي غابت عن صحافتنا لعقود.. بأمل أن تعود مرة أخرى بأقلام معاصرة ترد على الكاتب ويرد عليها.