منذ إنشائه أو إطلاقه فى عام 2006، حرص موقع «تويتر» على الاحتفاظ بخصيصته الأساسية، وهى ألا يتعدى عدد أحرف كلمات الرسالة الواحدة أو «التغريدة» 140 حرفاً، وهو ما أسهم فى زيادة سرعة إيقاع تبادل الرسائل والأخبار، وجعلها الوسيلة الأسرع فى التعبير عن اتجاهات الرأى العام فى أقل عدد من الكلمات.. وهو موقع يلائم أجهزة التليفون الذكية التى لا يحتاج الإنسان إلى كتابة كلمات كثيرة أو فقرات طويلة من خلالها.. وبفضل هذه الخصائص الفريدة وصل رأسمال الشركة إلى 36 مليار دولار فى عام 2014 أى ما يعادل 277 مليار جنيه مصرى..
ولأن لغة الاقتصاد لا تعرف الرحمة، ولأن سهم الشركة قد هبط بمقدار نصف فى المائة فقط من قيمته فى الأِشهر الأخيرة، وبدأت خدمة الماسينجر على موقع الفيس بوك تنافس «تويتر»، لذا فقد تقدم «ديك كوستولو» باستقالته هذا الأسبوع من رئاسة مجلس إدارة الشركة، وتولى نائبه «جاك دورسى» المسئولية فى الموقع الأشهر.. وكان أول قرارات دورسى هو إلغاء بند الـ 140 حرفاً من خصائص وشروط «تويتر»، وإطلاق الحد الأقصى بداية من شهر يوليو فى رسائل «تويتر»..
الرسالة الأساسية التى أراد دورسى أن يرسيها هى أنه لا شىء ثابت فى دنيا تكنولوجيا الاتصال.. وأن أى شىء قابل للتعديل والتغيير ما دام فيه مصلحة الشركة.. لم يتشدق دورسى، ولم يتمسك بمبدأ 140 حرفاً باعتبارها من الخصائص المميزة لـ«تويتر».. لم يقل إن النكوص عن هذه الخصيصة سيفقد «تويتر» ملمحاً رئيساً من ملامح رسائلها وتغريدات المشتركين فيه.. ما أعلنه هو أن الشركة عازمة على إجراء أى تغيير يسهم فى رفع أسهمها مرة أخرى، وأن «تويتر» ليس بقرة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، وليس نصاً مقدساً لا اجتهاد معه، وإنما أشار إلى إمكانية التعديل الفورى والتغيير العاجل لأى ملمح يؤدى إلى عودة «تويتر» إلى ما كان عليه..
تُرى كم لدينا من مفاهيم وقناعات تحتاج إلى «دورسى» لإعادة بنائها أو تدويرها؟ تُرى كم لدينا من شركات يتوقف مصيرها على تغيير بند فى آلية تشغيلها، أو فكرة معينة مرتبطة بها دون أن يثبت الواقع أنها قابلة للتطبيق أو أنها لا تزال لها الجدوى التى تحتم الإبقاء عليها؟ أفكارنا ومنظماتنا وشركاتنا كائنات فوقية لا يمكن المساس بها مهما تغير الواقع الذى يحكمها، ومهما تغيرت قواعد المنافسة التى تسيطر عليها.. الأمر نفسه ينطبق على كثير من القوانين التى تحكم المنظومة الاقتصادية.. هذه القوانين فى حاجة إلى نسف تام، وإلى التخلص منها بدون تردد.. نحتاج إلى البناء على «نضافة»، وإلى الاعتقاد فى أنه يمكن تغيير أى نص ما دام ذلك سيؤدى إلى الاستفادة منه أو أنه سيعود بالنفع على المجتمع..
كثيرون يتحدثون فى الوقت الحالى عن الأفكار التى هى خارج الصندوق.. وأنا لا أريد التحدث عنها.. أريد أن نطبق ما هو داخل الصندوق أولاً ونستفيد منه.. شريطة أن يتم التطبيق الكامل له.. تغيير البيئة التشريعية وتفعيل القوانين الاقتصادية، وتيسير إجراءات الاستثمار جزء من هذا التفعيل.. وإذا كان انخفاض نصف فى المائة من قيمة موقع «تويتر» يقيل رئيسه ويغير قوانينه، حتى ولو كانت أساسية، فإن الخسائر التى يتكبدها الاقتصاد المصرى يومياً وعلى مدار سنوات كثيرة مضت، تتطلب تعليق المشانق لمن تسببوا فيها عن طريق عدم تغيير القوانين المؤدية إليها.. والمؤكد أن تجربة «تويتر» ودرس «دورسى» لا يجب أن يغيبا عن أذهاننا.