سيارة الباشا

شريف سعيـد

شريف سعيـد

كاتب صحفي

في الزقازيق.. كان المواطن "وائل طاهر" المخرج بالتليفزيون المصري يقود سيارته في شارع الجلاء الشهير هناك باسم "الجناين"، لمح في المرآة سيارة قادمة من الخلف بسرعة جنونية، أثناء مرورها أو بالأحرى فرارها من شيء ما، كادت هذه السيارة أن تلصقه بالرصيف وتحدث كارثة مروعة بالطريق، لاحظ المواطن أن السيارة بلا أرقام وجميع نوافذها مظللة بالسواد، فما كان إلا أن ضغط على دواسة البنزين إلى أخرها في محاولة منه وبوازع وطني اعتراض هذه السيارة الغامضة وإيقافها!!. ثم كانت المواجهة.. عقب نجاحه بإيقاف السيارة، قال المواطن: "مش كفاية كنت هتموتني، كمان مفيم إزاز العربية ومش معلق نمر"، بكل برود رد الشاب الذي كان يقودها: "أنا أصلا سارقها"، حاول المواطن البحث عن شرطي ولم يجد، ثم انشقت الأرض عن أمين شرطة يتيم، لم يجد الأمين مع الشاب أية تراخيص واكتشف خلعه لوحة الأرقام الخلفية، توقع المواطن أن يستأسد أمين الشرطة ويتخذ إجراءً رسميا ضد الشاب، لكن الأخير انتحى بالأمين جانبا وأبرز له بطاقة هوية، فوجئ المواطن بعدها بأمين الشرطة يطلب منه أن يوسع الطريق لسيارة "الباشا" لأنه من جهة سيادية!!. غابت الدولة.. هذه الرواية تحمل عددًا من الدلالات أولها غياب الدولة الذي تجسد في انعدام وجود "شرطة مرور" بشارع من أشهر شوارع محافظة الشرقية، وذلك على النحو الذي سمح للباشا بكل هذا الفجر في وضح النهار، ليس هذا فحسب، بل قام مواطن آخر بمطاردته وتوقيفه، هذا المشهد برمته يليق بشارع في جمهورية من جمهوريات الموز، على سبيل المثال في كوكب الإمارات الشقيق لا يمكن لقائد مركبة أن يفلت من القانون إذا تجاوز حارته المرورية دون إشارة ضوئية قبلها، السؤال: "لماذا لا يستقدم الرئيس خبرات شرطية من إمارة أبوظبي لضبط الشارع المصري ؟". ثم حضرت الدولة ممثلة في أمين شرطة عاجز عن تنفيذ القانون ضد مواطن بالشارع.. نحن هنا أمام احتمالين: الأول هو أن الأمين غير أمين وأن الباشا لم ينتمي لتلك الجهة السيادية، ولسبب ما ساق الشرطي هذه الحجة لتبرير المشهد الرخيص، الاحتمال الثاني أن يكون الأمين صادقا، وبناء عليه شعر المواطن بأنه ضحية مؤسسات سيادية قاهرة لبعضها، وبكل الأحوال نحن أمام أمين شرطة فاسد مهنيا وعلى رشداء الداخلية إدراك أن سمعة أي نظام تبدأ من عند أصغر شرطي والحكم على أداء أي رئيس يبدأ من تقييم المواطن لسفراء الأمن في الشارع. الأخطر على الإطلاق هي حالة الانتكاسة الشعورية لدى هذا المواطن الذي انتخب الرئيس وصدق كل كلمة قالها عن استعادة الدولة المصرية وهيبتها، الأكثر مرارة في روايته هو استفهامه التعجبي: "هو إحنا كنا خلصنا من ضباط الشرطة لما هيطلعوا لنا بتوع الجهات السيادية"، حتى اللحظة لا يوجد ما يثبت أنه بالفعل من تلك الجهة، وإن كان منها فهذا يدينه ولا يدينها، خطورة الشعور باليأس من الدولة - إن سرى بوجدان الصابرين – تكمن في أنه قد يصيب الظهر المصري بقرح الفراش. في النهاية.. ورغم كل محاولات أمين الشرطة لمنعه، استطاع المواطن بهاتفه المحمول تصوير الباشا وسيارته، هذه السيارة التي دهست مفهوم الدولة في الشارع الزقازيقي، ستبقى أرقام لوحتها الأمامية - المصورة - بيانا لأية جهة تغار على هذا الوطن، أما هذه الواقعة بكل أطرافها وأحداثها فهي الآن بلاغ من المواطن المذكور أعلاه إلى من يهمه الأمر.