قصة المايسترو العجيب
في طفولتي لم أكن أفهم أبداً لماذا يقف أحدهم بعصا أمام مجموعة من العازفين، ليشير بحركات بدت مبهمة لى، إن كان العازفون يملكون نوتة موسيقية ويعرفون دورهم وتوقيته، فما الفائدة من ذلك الرجل الذى يقف ويظل يحرّك يديه فى كل الاتجاهات، ينفعل حيناً ويهدأ حيناً، لم أفهم أبداً الحكمة حتى شاهدت حفل نقل المومياوات، وافتتاح طريق الكباش.
ورأيت مشهداً مهيباً لرجل يقود أوركسترا الموكب، علق مشهد وجهه بعقلى، تماماً كما علقت مشاهد هذا الحفل بأذهان المصريين جميعاً، المايسترو نادر العباسى.
فى ذلك اليوم، فهمت حقاً ما هى وظيفة قائد الأوركسترا بدون معلم، علمت أنه الرجل الذى يعلم جيداً متى يجب أن تنطلق الموسيقى، ومتى لا يجب، متى تعزف الآلات وتقدم الموسيقى، بينما يتحكم هو فى لحظات السكون، والتنويعات بين هذه وتلك، متى يعزف أحدهم منفرداً، ومتى يعزفون جماعياً، أو كما يقول قائد الأوركسترا الألمانى فيلهلم فورتوانغلر: «المايسترو هو قارع الوقت».
وظيفة المايسترو التى تعود إلى عام 709 قبل الميلاد، كان يتم تعريف من يقوم بها بـ«مانح الإيقاع» وظيفة بدت لى مع الاقتراب أكثر من خباياها وتفاصيلها، إحدى أعظم المهام التى يجب أن تنتشر ليس فقط فى مجال الموسيقى، ولكن فى كل مكان، من منا لا يحتاج إلى هذا الرجل الذى يشير بيديه، فيضعك عند اللحظة المناسبة لتقدم أفضل ما لديك.
صحيح أن عدداً من الفرق الشهيرة حول العالم قدّمت أعمالها من دون قائد للفرقة الموسيقية، لكنها -حين عدت إلى بعضها- افتقدت إلى «الإحساس»، ربما لهذا يجب أن يضاف إلى تعريفات قائد الأوركسترا، أنه ليس مانحاً للإيقاع والتوقيت فقط، ولكنه أيضاً يمنح الإحساس، انظر إلى وجه المايسترو المصرى نادر العباسى، حين يوزع الأدوار على العازفين، من يتقدّم ومن يتأخر، رجل يضفى حيوية على النوتة الموسيقية، ويضمن للجمهور أداءً سلساً، بل ويضيف إلى النوتة الموسيقية، هو لا يمنحك موسيقى وحسب، هو أيضاً يمنحك إحساساً، وإيماءات ومشاعر ما كانت لتصل لولا وجود القائد على رأس الفرقة.
يعود الفضل إلى المايسترو المصرى نادر العباسى فى تعريفى، من دون حديث كثير، من هو المايسترو حقاً، هو أيضاً يلتقط النشاز فى الوصلات الموسيقية غير المناسبة ويستدركها أثناء تدريبات الفرقة، فيُحدّد درجات الصوت وشدته ومدى حدته، متى تكون البداية، ومتى تكون النهاية بالضبط.
لكن «العباسى» أوغل إلى مناطق أجمل، لم يعد فقط مايسترو ينقذ بحركاته الفرق من الأخطاء الطارئة، ولكنه أيضاً صار سفيراً للموسيقى والفن فى الداخل، تابعت افتتاحه مركز الإبداع الفنى «الورشة الفنية» فى مستشفى سرطان الأطفال 57357، بصحبة فريقه الأوركسترالى.
كما اكتشفت أن الرجل الذى احترف عزف آلة الفاجوت، وهى آلة نفخ خشبية، محترف فى الغناء الأوبرالى أيضاً، حيث اختير عام 2004 لقيادة أوركسترا السلام فى باريس، وانضم أيضاً إلى لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة الغناء الأوبرالى فى السويد، كما أنه قام بتأليف الكثير من القطع الموسيقى العالمية.
ذوقه العالمى لم يمنعه من تقديم الكثير من الأعمال المصرية التراثية والقديمة بإتقان منقطع النظير، يأسرنى كيف قدّم موسيقى فيلم «دعاء الكروان» بمهارة استثنائية، والكثير من الموسيقى التصويرية للأفلام، كالإرهاب والكباب، وفيلم الأرض، ورسالة إلى الوالى، فضلاً عن الكثير من القطع الموسيقية التى شكلت الوجدان المصرى، ربما لهذا جاء ظهوره السابق مع الرائعة إسعاد يونس بمثابة حدث حقيقى وإعادة اكتشاف لقدرات الرجل فى إسعاد المصريين على طريقته، عبر اختيارات بعينها تأسر القلوب، قدّمها بطريقته، وهى التوليفة التى أثبتت نجاحها، فعادا للظهور معاً من جديد فى حفلات العالم علمين، ليستعيدا سحر الموسيقى المصرية على طريقة المايسترو المصرى القدير.