نون النسوة في العلمين الجديدة
رغم ابتسامتها الخجلة إلا أنها كانت تسير بهمة نشاط مع أطفالها فى منطقة «سبورتس أرينا» فى العلمين الجديدة، تنقلهم من لعبة لأخرى فى منطقة الألعاب الترفيهية المتوفر بعضها مجاناً للزوار.
كانت كغيرها من الأمهات ممن أخذن على أنفسهن عهد رسم السعادة فى نفوس أبنائهن بشتى الطرق، لكن عند لعبة «العجلة الدوارة» تغير المشهد قليلاً، فهى لم تكتف بدفع أطفالها للعب، بل قررت هى أيضاً اللعب فيها رغم سنها الكبيرة والحجاب الطويل الذى ترتديه بل وحاولت التغلب عليهم فى السباق، وكأنها تقول للمجتمع «من حقى أنا أيضاً أن أعود طفلة وألعب»..
«لا أهلاً ولا سهلاً بأعراف مجتمع تحبسنا عن مطاردة أحلامنا الطفولية البريئة».
لم يكن ذاك هو المشهد الوحيد فى منطقة «سبورتس أرينا» بـ«نورث سكوير» فى العلمين الجديدة الذى جسد كسر الصورة النمطية للأمهات فى المصيف أو حتى أماكن التنزه، حيث تجلس الأم بجانب الحقائب تشغل الهاتف المحمول وينطلق أطفالها للعب، أو الصورة النمطية الأخرى لأمهات يقضين وقتهن فى مراقبة أطفالهن الصغار خوفاً من تعرضهن لأذى.
بل كانت هناك مشاهد أخرى لسيدات قررن محاربة أعراف المجتمع والانبساط مع أبنائهن، فقد كانت هناك تلك السيدة التى قررت عدم الجلوس و«وضع يدها على خدها» وقامت بتأجير دراجة بينما تلاعب طفلتها الصغيرة التى تجلس فى الكرسى الخلفى، وكان وجهها الذى احمرّ خجلاً تملأه ابتسامة عريضة حتى إن المشاهد يحتار أيهما أكثر براءة وطفولة الأم أم ابنتها؟!
هل ذكرت تلك السيدة الأخرى الحامل التى وجدت صغيرها يبكى فقررت هى الأخرى أن تؤجر دراجة وتنطلق وقد كان واضحاً أنها تدرك أن فى تلك البقعة الصغيرة لن يرمقها البعض بتلك النظرات القاتلة المستهجنة لما تفعله، أم تلك الفتاة المراهقة التى انطلقت تلعب البادل مع أبيها وشقيقيها بينما ارتسمت على ملامحها علامات الثقة والفرح أنها تشاركهم نشاطاً رياضياً حتى بان أن روحها تصفق جذلاً.
أمل وألم..
المشاهد السابقة لا تكشف فقط عن جمال منطقة «نورث سكوير» فى العلمين، أو مدى الحرية والانطلاق الذى تستشعره نون النسوة هناك، أو الأمان فى ممارسة حقوقهن البسيطة المهضومة بفعل الأعراف البالية، أو حتى تكشف عن حاجة نون النسوة لانتشار منطقة «نورث سكوير» بنفس المقاييس فى المحافظات المختلفة خصوصاً البعيدة عن القاهرة والتى تنتشر فيها التقاليد بأن المرأة لم يعد بإمكانها الحركة أو ممارسة أى نشاط طالما أن لديها أطفالاً أو كما يقال بالعامية المصرية «تعيش لأولادها وكفاية عليها كده»..
بل تكشف المشاهد السابقة عن بعض الأمل، نعم بعض الأمل فى حياة حقيقية أكثر جمالاً وخفة تحياها المرأة فى مجتمعنا حتى لو ساعات معدودة، مشاهد بها أمل فى مقابل مشاهد من قصص سيدات وفتيات كادت تقتلهن الأعراف والتقاليد، تلك الفتاة التى طمحت إلى شراء «ساندوتش كريب» فرفضت حماتها وتحول الأمر إلى شجار حار.
أما الحجة أن السيدات ليس لهن أن يطلبن شيئاً بعد الزواج يكفى أن يطعمها زوجها، أو تلك الفتاة التى قتلها أخوها بحجة الدفاع عن الشرف فتنازلت الأم عن حق ابنتها لدى القضاء، أو رفض بعض الأهالى علاج السيدات فى المناطق النائية فى القرى والنجوع بحجة أنهن نساء وحتى إن كن مريضات سرطان، فالأولوية دوماً وأبداً لعلاج الرجال المنوطين بالإنفاق، أما السيدات فهن مجرد أرقام، حكايات كثيرة لا تكفى سطور هذا المقال لسردها بل قل عشرات المقالات.
وفى النهاية «نورث سكوير» فى العلمين الجديدة هى منطقة سياحية جميلة تمتلئ بقيم التحضر والأمان والحرية للرجال قبل النساء ولكن كل ما نتمناه نحن النساء ألا تقتصر «نورث سكوير» كفكرة على العلمين بل تنطلق إلى ربوع مصر المختلفة، فنمارس حقنا فى المواطنة بأمان بلا خوف من التقاليد والعادات البعيدة كل البعد عن الدين والعلم، ووقتها سنستطيع أن نتنفس المعنى الحقيقى للأمل فى الحياة.