القدرة.. والحكمة

مصطفى رحومة

مصطفى رحومة

كاتب صحفي

إقليم مضطرب يموج بالأزمات.. وعالم قابع على رقعة شطرنج تتغير خريطته صباح مساء.. تقف الدولة المصرية بكل تحدياتها الداخلية صامدة فى وجه العواصف العاتية بقوة مؤسساتها وبالقدرة التى بنتها على مدار السنوات الماضية ومحصنة بحكمة القوة.. لم يفلحوا فى النيل منها رغم كل مؤامراتهم المعلنة والخفية.. إلا أنهم لم ينفكوا أن يعاودوا الكَرّة بعد الكرة لوهم فى مخيلتهم لعلهم يصادفون يوماً تنطلى فيه خدعتهم.. لذا ينثرون فى الهواء الإكاذيب.. يحاولون أن يسرقوا الأمل ويشيعوا الإحباط ويزرعوا اليأس فى النفوس.

(1)

فى البداية دعنا نتفق أنه لا يستطيع كائنٌ من كان أن ينفى التحديات المعيشية التى يعانى منها أغلب المصريين، أو يغمض عينيه عن بعض الأخطاء التى ارتُكبت، أو يصم آذانه عن الاستماع لتطلعات وطموحات المواطنين، فليس هناك أحد معصوم من الخطأ، ولا يوجد أحد فوق النقد، وليست تلك ديباجتى ولكن أعلنها رئيس الجمهورية بملء فيه فى خطابه بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لثورة 30 يونيو: «إننى أعلم بشكل كامل حجم المعاناة.. وأؤكد لكم أن شغلى الشاغل.. والأولوية القصوى للحكومة.. هو تخفيف تلك المعاناة.. وإيجاد مزيد من فرص العمل.. وبناء مستقبل أفضل.. لجميع أبناء مصر الكرام».

ترصد أجهزة الدولة كل شاردة وواردة، ترفع التقارير لصانع القرار الذى يعرف يقيناً حجم التحديات ويصيغ الأولويات ويتعامل مع مختلف القضايا بشكل متزامن وبكل شفافية ووضوح، وتعرف أنها تحكم شعباً كريماً يليق به مستقبل أفضل، وتسعى بكل طاقتها للتغلب على التحديات وتحويل المحن إلى منح، وليس أمامها سوى الإنجاز للتعامل مع مختلف الملفات.

ليس هناك أسهل من النقد، ولكن البناء صعب ويحتاج إلى النفَس الطويل، وليس هذا مجال أن أعدد لك مجالات إنجازات الحكومة فى تشكيلها الجديد على مدار أسابيعها السبعة، إلا أنها تعمل وتتعامل بمنتهى الشفافية والوضوح مع الرأى العام، فى تغيير لطالما نادى به المصريون وآن له الأوان أن يتحقق، وأن يلمس الجميع ثماره.

ولست هنا فى موضع المدافع عن الحكومة بقدر ما أريد أن أسلط الضوء على أنها ما كان لها أن تتحرك فى تلك الملفات دون قدرة على المواجهة اكتسبتها خلال السنوات الماضية، بالقرارات والإجراءات التى اتخذتها القيادة السياسية بعد مرحلة الوهن الذى تعرضت له الدولة، وما كان لهذا الاقتصاد أن يصمد دون الدواء المر الذى تجرعه المصريون فى طريق الإصلاح.

وبالتزامن مع هذا تعمل الدولة جاهدة فى طريقها للارتقاء بالمواطن معيشياً وحمايته اجتماعياً من خلال المبادرات الرئاسية فى إطار منظومة متكاملة لبناء الإنسان المصرى، مع استمرار جهودها فى تحسين المناخ السياسى والحقوقى عبر خطوات كبيرة كان أبرزها الحوار الوطنى، الذى بات أرضية وطنية مشتركة لكل المصريين بمختلف تياراتهم دون خطوط حمراء، وتحولت مخرجاته بإرادة وطنية خالصة إلى قرارات تنفيذية ملموسة.

(2)

كان من قدر تلك الدولة أن تعيش وسط حدود ملتهبة بالأزمات، تشتعل فى جميع أرجائها حرائق الحروب، فعلى حدودها الشمالية الشرقية تدور رحى حرب الاحتلال الإسرائيلى على غزة منذ 10 أشهر، وعلى حدودها الجنوبية يتواصل الصراع فى السودان الذى تفاقم منذ أبريل 2023، وعلى حدودها الغربية لم تخفت نيران الأزمة الليبية منذ 2011.

وذلك كله داخل إقليم مأزوم بالصراعات والأيديولوجيات ومحاولات فرض النفوذ والهيمنة تحت دعاوى مختلفة من أجل تقطيع أواصر الدول وتغيير خريطة الشرق الأوسط، إلا أن مصر التى نمت قوتها العسكرية بشكل مطرد منذ 2013، فى نظرة بعيدة المدى لما ستؤول إليه الأمور، تمسكت بقوة الحكمة وهى تدافع عن أمنها القومى فى محيطها الداخلى والإقليمى، متشبثه برؤية وطنية خالصة تتمسك بمحددات ثابتة على رأسها الحفاظ على سيادة الدول واستقرارها وسلامة أراضيها والحفاظ على مؤسسات الدولة وتماسكها الداخلى ورفض كافة التدخلات الخارجية فى شئونها الداخلية، ومن هذا المنطلق عملت الدولة المصرية على بذل الجهود المضنية بدافع دورها ومكانتها الإقليمية لرأب الصدع ومحاولة البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية لتلك الأزمات بعيداً عن لغة السلاح.

جنحت مصر لصوت السلام خياراً لم تحِدْ عنه مع جاهزيتها فى نفس الوقت لكافة السيناريوهات التى قد تفرضها المتغيرات الإقليمية على الساحة، وكانت صوت الحكمة فى التحذير من مغبة هذا التصعيد الجارى فى المنطقة والذى سيجر الشرق الأوسط لحرب إقليمية ستتطاير شظاياها فى أرجاء العالم كله، ولن يأمن من تداعياتها أحد.

ولم تنفصل تلك التحركات المصرية عن مد يد المساعدة والتخفيف من تداعيات تلك الأزمات على شعوب المنطقة، ومحاولة الحفاظ على التماسك الداخلى، وتحملت الدولة فاتورة هذا بكل صبر رغم ضخامة الحمل وتأثير تلك الأزمات على الأوضاع الاقتصادية لمصر، بعيداً عن ذكر الأرقام التى تبرز ذلك على المستويات كافة.

(3)

يدور كل هذا فى مشهد عالمى يعاد تشكيله ويشهد صعود وجوه جديدة، وتغييرات فى البنية الهيكلية للقيادة بالعديد من الدول الصديقة، وهو ما يفرض تحديات أخرى على الدولة المصرية فى إطار سياستها الخارجية، وعلاقاتها الثنائية والدولية، وما يعكسه ذلك من تشابكات للمصالح بين الدول، وهو ما يؤثر على طريقة التعاطى مع الملفات المختلفة على الساحة الدولية.

وهو المشهد الذى يعكس حكمة تعامل القيادة السياسية دولياً خلال السنوات الماضية، وتحركاتها لتوطيد العلاقات مع كافة دول العالم وعدم التخندق ضمن معسكر هنا أو هناك، والعمل لتحقيق المصالح المصرية من وراء تلك التشابكات الدولية.

وفى ظل هذا الوضع الداخلى والإقليمى والدولى، تعمل الدولة المصرية ورجالها بشكل متزامن مع تلك التحديات والأزمات بكل قوة وحكمة، من منطلق قدرتها على تخطى العقبات الداخلية والنأى بسفينة الوطن عن حرائق الخارج، والعبور بأمان فى أتون تلك الحروب الممسكة بأطراف الخريطة الإقليمية والدولية.

(4)

على الضفة الأخرى من نهر هذا الوطن، يقف المترصدون المتربصون، يثيرون الشك والريبة فى نفوس البعض، يغوونهم بالشعارات البراقة وبمحاولات تزييف الوعى حول القضايا المختلفة، يتعاملون مع الوضع الراهن بنظرة مجتزأة، يدغدغون المشاعر بمعسول الكلمات، دون عرض الحقيقة الكاملة، ودون رؤية المشهد كاملاً، يحاولون جر المواطن والدولة من خلفه إلى معارك واهية.

صناعة الوعى، هى الحصن الأول للأوطان التى دونها ستنهار كل قدرة وحكمة أمام طوفان الشائعات والأكاذيب، فكن على ثقة أن فى هذا البلد رجالاً مخلصين لا يبغون إلا مصلحة الوطن والمواطن، لا يغريهم مال أو جاه، قابضين على جمر الوطن، غير مفرطين فى أرض أو عِرض، وحافظين العهد والقسم على حماية أمنها القومى.