لا خير فيهم!
دخل إلى إحدى عربات المترو شيخ طاعن في السن، حفرت سنوات عمره آثارها على تقاسيم وجهه وذراعيه، كان متكئا على أحد رجال أمن المحطة وبالكاد يسير مستعينًا بعكازه، وهبّ الجميع من مقاعدهم في محاولة لمساعدته على الجلوس.
تأملت كثيرًا في ملامح وجه الرجل الذي تجاوز عمره الثمانين ببضع سنين؛ سأل الرجل عن أي محطة يصل إليها للذهاب إلى «جمعية المحاربين القدماء» بالعجوزة.
سرحت في تجاعيد وجهه التي حفرها الزمن، الذي ترك الرجل هكذا يتنقل وحده في هذا السن بهذه الحالة الصحية من وسيلة مواصلات إلى أخرى ليصل لوجهته.
جالت بخاطري العديد من الأسئلة.. كيف لذوي هذا الرجل أن يتركوه هكذا وحده يواجه قسوة الظروف ويهيم بمفرده ليقضي مصلحة ما؟ لماذا لم يتأبط ابنه ذراعه ويكون عكازه الذي يستند عليه؟
أليس له حفيد، صديق، جار، رفيق عمر يشاركه هذه الرحلة الشاقة على من هم في مثل سنه وحالته الصحية؟
وبالرغم من سنه المتقدم وحالته الصحية، إلا أنّ وجهه كان يعتليه شموخٌ غريب تداخل مع قسوة الحياة والظروف.. شموخ بطل مقاتل، أبى أن يستسلم لآخر نفس يتردد بين جنبات صدره.
بحثت للرجل عن المحطة المناسبة لوجهته وأخبرته أنّها «الكيت كات»، وظل يتأكّد مني قرب الوصول أكثر من مرة، وحين وصلنا إلى المحطة وجدت رجل أمن ينتظره أمام باب العربة، وأخبره أنّهم ينتظرون وصوله لمساعدته على التنقل.. يبدو أنّها رحلة معتادة له ولرجال أمن المحطة أيضًا.
هبط الشيخ الثمانيني من المترو.. تركني على الطرف الآخر سارحًا في أفكاري؛ هل لم يقدم هذا الرجل خلال سنوات عمره لمن حوله ما يشفع له لديهم بمؤازرته في رمقه الأخير؟ أم اللوم عليهم ولا خير فيهم لأنّهم جحدوا معه ونسوا وقفته في يوم ما معهم؟ ولكن مهما كان الوضع لا يستحق هذا الشيخ بأي حال أن يُترك هكذا، فالراحمون يرحمهم الرحمن.
في الأخير، لملمت أفكاري ووضعتها في ركن قصي.. متمنيًا ألا أكون في موضعه يومًا ما -إذا أطال الله في عمري ووصلت لهذا السن- وأن أجد من أستند عليه مثلما نتمنى جميعًا.