«جنين».. سلاح المقاومة الذي لم تنضب ذخيرته

عين الجنائن، هكذا كانت تُسمى قديماً لكثرة الجنائن التى كانت تحيط بها، لكن خضرتها الخلابة تحولت إلى اللون القانى، إذ تخضّبت بدم الآلاف منذ مئات السنين حتى الآن، فهى من أقدم مدن العالم التى لا تزال مأهولة بالسكان، ولها ثقل اقتصادى أكبر بكثير من حجمها السكانى، وهى عاصمة محافظة «جنين»، إحدى أكبر مدن الضفة الغربية فى فلسطين، ويتبع المدينة مخيم جنين الذى يقع غربها ويسكنه آلاف اللاجئين.

«جنين» سلاح المقاومة الذى لم تنضب ذخائره، لها سجل حافل بالنضال ضد الاستعمار البريطانى والصهيونى، حيث أعلنت أول قوة مسلحة ضد الاستعمار البريطانى عام 1935م بقيادة عز الدين القسام، الذى تكنّت باسمه كتائب الجناح العسكرى لحركة حماس، وظلت المدينة ومخيمها هاجساً بالنسبة للاحتلال الإسرائيلى بسبب قُربها من مدن الداخل، كما خاضت جنين بمدنها وقراها معركة الدفاع عن الوجود ضد المنظمات الصهيونية المسلحة.

وما كُتب عن هذه المدينة الباسلة يُشعرك بأن نضالها ليس وليد السنوات الأخيرة، بل امتداد لماضٍ بعيد، وتاريخ يضرب جذوره إلى عصر ما قبل الميلاد، ومما عانت منه هذه البقعة المباركة أنها سقطت تحت الحكم الصليبى، ولما انتصر الفرنسيون أمر نابليون جنده بحرق جنين ونهبها، انتقاماً منهم لمساعدتهم العثمانيين، وفى الحرب العالمية الأولى أقام الجيش الألمانى مطاراً عسكرياً غرب جنين، ودخلت جنين كباقى مدن الشام تحت الحكم المصرى بعد أن نجح إبراهيم باشا فى طرد العثمانيين، لكن ذلك لم يدم طويلاً.

وقد كانت معركة جنين التى وقعت فى 3 يونيو سنة 1948، مفخرة للمقاتلين من أهل البلاد، الذين استُشهد منهم العشرات، بالإضافة إلى العدد الكبير من الجرحى، والتى انتهت فى آخر المطاف إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنين فى اليوم التالى، وتكبيدها خسائر جسيمة بلغت 1241 قتيلاً ومفقوداً من أصل 4000 جندى إسرائيلى كانوا يحاصرون المدينة.

وقبل نحو 22 عاماً ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلى مجزرة قامت خلالها بارتكاب أعمال قتل عشوائية، واستخدام دروع بشرية، وعمليات اعتقال تعسّفى وتعذيب، ومنع العلاج الطبى، ومع ذلك كان تقرير الأمم المتحدة عن المجزرة منحازاً بشكل واضح للكيان الصهيونى، حيث ساوى بين الطرفين من حيث القوة العسكرية، ووصفهما كأنهما خصمان فى ساحة حرب.

وفى يوليو الماضى ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة فى مخيم جنين راح ضحيتها ما لا يقل عن 12 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 16 و23 عاماً، قتلوا وأصيب العشرات، بعد أن شنّت القوات الإسرائيلية عمليات واسعة النطاق فى المخيم.

والآن بعد نحو 11 شهراً على اندلاع معركة طوفان الأقصى، أطلت جنين، بوجهها المقاوم، مع عدد من مدن الضفة الغربية، ضد جرائم الكيان الإرهابى، لتُسطر صفحة جديدة فى كتاب النضال الناصع.