بسمة عبدالرحمن تكتب: هل تصنع الورقة والقلم «أم مثالية»؟
بسمة عبدالرحمن تكتب: هل تصنع الورقة والقلم «أم مثالية»؟
- التربية الإيجابية
- لغة الحوار
- نوبات الغضب
- علاج الطفل المتردد
- الثقة بالنفس
- سياسة الادخار
- التربية الإيجابية
- لغة الحوار
- نوبات الغضب
- علاج الطفل المتردد
- الثقة بالنفس
- سياسة الادخار
دق قلبي في السابعة والعشرين من عمري عند سماع كلمة «ماما» من طفلي لأول مرة، لتتسلل إلى نفسي مشاعر لا توصف، كأنّها لحن عذب يرنّ في أذني، يخبرني أنني انتقلت إلى عالم الأمومة، لأكون أنا المسئولة الأولى فيه عن وضع حجر الأمان في قلب صغيري، وأبني بداخله ركنًا دافئا يستند إليه وقتما احتاجه، وفي الوقت ذاته أربي رجلًا مسئولًا عن قرارته منذ نعومة أظافره، فيرتب عقلي أفكاره ويسردها على الورق؛ ليصل إلى أفضل نتيجة لتربية طفل سوي نفسيًا يواجه سلوكيات غريبة استحدثها المجتمع مع تطور الأجيال، هل سمعتم عن أمٍّ تُربي صغيرها بالورقة والقلم؟
كنت أخشى في البداية الخروج عن المألوف في تربية طفلي، وسط نصائح أمي باتباع الأساليب التقليدية في تهذيب سلوكه، ونصائح الأصدقاء بأن التربية «مش ميزانية عشان نخطط لها بالورقة والقلم»، لكنّني سرعان ما أدركت أن تلك الأساليب القديمة لم تجدِ نفعًا مع صغيري، نظرًا لطاقته المفرطة التي تحتاج إلى تحجيم مفيد، فاتجهت لقراءة دراسات علمية في التربية الإيجابية الحديثة لأحاول تطبيقها على شخصية طفلي، وانتقاء المناسب منها لكل سلوك أريد تهذيبه فيه.
العصبية كانت «صديق سوء» لطفلي، وهي ما قادتني إلى استكشاف بذرة اشتعالها لأعالجها من الجذور، فيولد الغضب من رحم سوء الفهم، الذي يصنع متاهات بينك وبين ابنك، لذا وجدت في «لغة الحوار» الملاذ الآمن من نوبات الغضب التي يتعرض لها صغيري في بعض الأحيان، فيحتد الأمر ويصل إلى باب مسدود، تتعالى صرخاته لرغبته في شيء ما، فأجد نفسي أجثو على ركبتي لأحاوره وأتمسك بطرف المشكلة، محدثة إياه بنبرة خافتة وحاسمة، فيستجيب على الفور ويهدأ، ويروي لي ما يريده، فنصل معًا إلى منطقة تفاوض لا بأس بها، ونحل الأمر في النهاية.
«الموبايل»، تلك الشاشة الصامتة التي انجذب إليها صغيري دون وعي، ومع مرور الوقت وجدت أنه يتصفح عليه لمدة تصل إلى 4 ساعات يوميا، ملاحظة قلة حديثه معي، وانطوائه في ركن مستمتعا بالفيديوهات التي يشاهدها، فقررت التفتيش على ملاذ مبهج يصرف عيناه عن تلك النقرات الصماء، وبدأت في تقليل ساعات جلوسه على الهاتف تدريجيا، واستبدالها بأنشطة مفضلة لديه، مثل مساعدته لي في الأعمال المنزلية البسيطة، أو عمل «كيك» بنكهة الشوكولاتة، أو صنع مسابقات رسم ومكافأة الفائز فيها بجائزة، لأجده لم يعد مهتما بذلك العالم الافتراضي، ووصفه بـ«الممل»، لأتفاجأ بنجاح التجربة، حتى وصل إجمالي الوقت الذي يقضيه صغيري على «الموبايل» إلى نصف ساعة يوميا.
العالم الموازي لا يوجد في الخيال فقط، ولكن بداخل عقل طفلك أيضًا، ويحتاج أن يترجمه على أرض الواقع ويعيش فيه، وهنا يأتي دور الأم، الراصدة الأولى لميول صغيرها، ومعرفة تفضيلاته من «ألعاب، وألوان، وأصوات»، فمثلا وجدت طفلي يعشق الحيوانات، هنا بدأت أزرع داخل قصص الغابة التي يحبها رسائل خفية لتعديل سلوكه، لأجده يتفاعل مع حكاية «الأرنب الرياضي» الذي فاز ببطولة الجري في سباق الحيوانات، لم أستعب أن «أرنوبي» بدأ يمارس رياضة بسيطة في كل صباح، بل ويخبرني نهاية اليوم أنه أصبح أقوى بعدما أكل طعامه وأدى تمارينه الرياضية مثل الأرنب «سعفان»، لأطلق عليه لقب «أرنوبي الصغنن».
«الثقة مُعدية» أدركت أنني كأم أملك عصا سرية لتشكيل شخصية طفلي، فكلماتي له كانت بمثابة الرياح التي تحمل بذور الثقة إلى أعماق روحه، فإذا أخبرته أنّه عبقري سيصدق ذلك، وإذا توسمت فيه الغباء سيعتقد أنَّ عقله به عطل ما جعله لا يفهم ما يحصّله الأذكياء، لذا اتبعت الأسلوب التشجيعي في توجيه الأوامر الإيجابية لطفلي، وأثني على خطه الرائع في «الهوم وورك»، وأصف قوته بـ«الفظيعة» في حمل أكياس التسوق معي، وكم كان شخصًا لطيفًا اليوم، لأجد مع مرور الوقت اختلافًا جذريًا منه فور سماعه الكلمات التحفيزية، أو عبارات شعوري بالامتنان نحو مواقفه النبيلة، فبدلًا من الطفل المتردد والخجول، أصبح أكثر ثقة بنفسه وقادرًا على مواجهة التحديات، وأراه يعطيني قبلات بين الحين والآخر، موجها إليّ سؤال «مش أنا شاطر يا ماما؟»، لأجيبه بحماس «أنت بطل الأبطال».
«امسك إيدك، وحوش مصروفك» جملة بسيطة ولكنها تحمل في طياتها معانٍ عميقة زرعتها في نفس طفلي منذ الصغر، لأغرس بداخله قيمة المال، وأدعم وعيه «الاقتصادي»، وعلى الرغم من كونه مصطلحا «مبالغ فيه» على طفل عمره 4 سنوات، ولكن في الحقيقة كان فعّالًا في ولادة رجل مسئول، ليتخذ «حصالته المعدنية» رفيقته في تلك الرحلة، فأراه يودع بها المتبقي من مصرفه اليومي بشوق وحماس، وكأنّها كنزه الثمين الذي يحرسه، وفي الوقت ذاته لم أحرمه من متع الحياة، فأعطيه الضوء الأخضر لإدارة «جيبه الخاص»، والموازنة بين احتياجاته ورغباته.
وأخيرًا، كلما تأملت نظرات طفلي البريئة كل مساء، تيقنت أنَّ تربيته تشبه زراعة الشجرة، تحتاج إلى الصبر والرعاية، ليهون أي عناء أو مشقة أمام «ضمة» صغيري لي، وهو يذكرني بأنّه يحبني «قد البحر وسمكاته» قبل الخلود إلى سريره، وأمني نفسي باليوم الذي أجده رجلًا يزداد طوله عني ببضع سنتيمترات، وأراه رجلًا سوّي النفس، حسن الخلق، يحتكِم في تصرفاته إلى العقل والدين.