الأزهر ينفي الخبث

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

قرار صارم من فضيلة الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، ضد الدكتور إمام رمضان، الأستاذ بكلية التربية بنين بالقاهرة، حيث أوقفته الجامعة عن العمل لحين انتهاء التحقيق معه، بعد أن دعا إلى سرقة الماء والغاز والكهرباء، ولن نستبق القرار النهائى للجامعة، الذى يتوقع فيه إنزال عقوبة موازية للجريمة والدعوة الإرهابية التي قام بها المدعو.

وهذه الدعوة سبقه بها الداعية السلفى محمد عبدالمقصود على منصة رابعة، وكان «تحالف الشرعية» الإخوانى داعماً لهذه الدعوة، وما قاله المدعو لا يُعبّر عن الأزهر، (ففتواه خبث يرفضه الأزهر)، والأمر يؤكد خطورة الفتوى الفردية، ومدى أهمية الفتوى الجماعية المؤسسية.

هناك خلط بين معارضة السلطة، وبين هدم الدولة وإسقاطها وكسرها وتفكيكها والقفز عليها، وكان الحديث عن التفرقة بين الأمرين من الأمور البديهية، لولا انتشار الفتاوى النشاز والقفز على المؤسسات المعتبرة، وهدم المرجعيات، والبحث عن التريند والشهرة، والفتوى بالعاطفة والحماس والهوى.

استقر العلماء، بل استقر العقلاء، على أن مستحقات الدولة من فواتير ماء وكهرباء وتليفونات وإيجارات عامة ومترو ووسائل نقل عامة ومساجد وكنائس وحدائق ومشافٍ وأبنية، هى مملوكة للدولة لا للأشخاص، أو القائمين على الحكم، ولذا أجمع الفقهاء على أن مَن أتلف شيئاً من أموال الدولة بغير حق، كان ضامِناً لِما أتلَفه، ومن أخذ منه شيئاً بغير حق لزمه رده، والدولة لها شخصية اعتبارية مستقلة، منفصلة تماماً عن القائم عليها، سواء كان رئيساً أو رئيس وزراء أو وزيراً، والامتناع عن دفع مستحقات الدولة أكل للأموال بالباطل، حتى لو كان وكيل الدولة كافراً أو ظالماً، لأن الدفع يكون للدولة التى يملكها الجميع وليس للشخص.

العالم الفاضل الدكتور عثمان عبدالرحيم له دراسة مهمة عن هذا الموضوع، يستفاد منها، ويجب نشرها، وكان مما قاله: إن الفقهاء اتفقوا على أن الدولة لها شخصية مستقلة، ولا صلة لها بمن يقوم بحكمها، فإذا علمنا هذا تقرّر بالضرورة أن الامتناع عن دفع مستحقات الدولة لن يؤدى إلى زوال النظام، ولكن سيؤدى إلى هدم الدولة نفسها، حتى إن زال النظام -فرضاً- فإنه سيزول عن دولة مدمّرة، ومن ثَم يكون الأمر حراماً لفساد غايته، ومعلوم أن مقاصد الشريعة تحصيل المصالح وتكثيرها، وإزالة المفاسد أو تقليلها.

وتقرّر فى الفقه الإسلامى أن الضرر لا يُزال بمثله ولا بأكبر منه، فلو أن واحداً سرق حبلاً، وربط به سفينة له فى البحر، فلا يُقال إن هذا ضرر على صاحب الحبل، فيجب نزعه حتى لو غرقت السفينة، لأن سرقة الحبل ضرر، وإزالته على تلك الحال ضرر أكبر، وقد رأينا شعوباً تعيش فى أوضاع صعبة، ولكن لم نرَ شعوباً بلا دولة.

وهناك قاعدة: تفويت ما لا يُدرَك بتحصيل ما يُدرَك، والمقصود أن انهيار مقدرات الدولة مفسدة لا تُدرَك، (ليبيا - العراق - سوريا - السودان)، فسقوط الدولة لا يُدرَك ولا علاج له، وما عدا ذلك يُدرك ويعالج، والمعارضة الوطنية فى كل دول العالم تنتقد الحكومات والأنظمة، لكنها لا تُسقط الدول والأوطان، لأن الحكومة تدير الدولة ولا تملكها.

هذا وقد أفتت دار الإفتاء المصرية منذ فترة بحُرمة سرقة مستحقات الدولة من كهرباء ومياه وما شابه، وجاءت تعليقات معارضة لهذه الفتوى، وداعية لسرقة مستحقات الدولة، مما يدل على أن بعض التيارات المنحرفة وإن أفتى بعض شيوخها بحرمة سرقة مستحقات الدولة، إلا أن أفكارها ومحاضنها التربوية تُمهد لقبول فتاوى السرقة لو وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

والحاصل أن تحريض هذا العنصر على سرقة الكهرباء والغاز والمياه باسم الدين، دعا إليه سيد قطب، فى كتاب (لماذا أعدمونى؟)، وهناك اختلاف على مدى اعتماد الكتاب عند الإخوان، لكنه أفتى بنسف القناطر الخيرية لإغراق الناس والزراعة والتخلص من الجاهلية على حد تعبيره! كما أن قيادى داعش أبوبكر ناجى دعا إلى ذلك فى كتابه المشهور: «إدارة التوحش».