ناصر عبدالرحمن يكتب: الخوف

إنه الملك المسيطر الذى يخشاه الجميع، الخوف من المستقبل ومن زوال النعم ومن جبروت صاحب سطوة، الفقير يخاف الغنى، والغنى يخاف الفقر، الذى معه يخاف السلب، والذى لا يملك يخاف من يملك، ثمة مَن يخاف تأخر الرزق ومَن يخاف ضياع رزقه، أسباب تخاف من أسباب، الموظف يخاف من مديره، والابن يخاف من والده، والضعيف يخاف من القوى، والمريض يخاف من السقوط، الذى يخاف الموت، والذى يخاف الفقر، والذى يخاف العذاب، حتى المحب يخاف من بُعد حبيبه، الأب يخاف على أولاده، والأم تخاف على طفلها، والطالب يخاف الامتحان، فى اليوم الحر يخاف من ضربات الشمس، ومن البرد خوف ومن الجوع خوف ومن الغلاء خوف، كأنها أسوار تسجن الإنسان وتتحكم فى حريته.

إنه سر وعليك كشفه، فقد خلقك الله حراً، خلقك الله سيداً، خلقك الله وفيك انطوى العالم، أنت الخليفة وأنت السر وأنت بيت الله، خروجك للحياة ومعرفة سرها مرهون بتجاوزك أسوار خوفك، كل إنسان وله أطواق تقيد حريته كلها مصبوغة بالخوف، فى القرآن ذكر الخوف فى مائة وأربعة وعشرين موضعاً، منها سبعة وثمانون بصيغة الفعل، «إنى أخاف الله رب العالمين».

كما ذكر فى القرآن أن سيدنا موسى، لحق به الخوف فى أكثر من موضع، منها: «فخرج منها خائفاً».. «فأصبح فى المدينة خائفاً».. «قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين».. «فأوجس فى نفسه خيفة موسى».. «قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى».خوف سيدنا موسى جاء فى أحوال معينة، عندما دفع رجلاً فمات «خاف».

وعندما ذهب لمواجهه فرعون «خاف»، وعندما تحركت العصا كأنها جان «خاف»، فلم يطمئن حتى اطمأن بالله وحده «قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى»، الله وحده كفيل بالخوف، فكان الأمان كله والثقة بالله، فبعد أن خاف سيدنا موسى من قوم القتيل ومن العصا التى تسعى ومن فرعون، لم يخف سيدنا موسى من البحر ولم يخف من جيش فرعون، بل حدثت على يديه معجزة شق البحر.

وظهرت ولاية سيدنا موسى وأنه الأعلى، عندما خاف أتباعه وقالوا: «إنا لمدركون»، قال لهم سيدنا موسى: «إن معى ربى سيهدين»، وقد ذكر فى القرآن أكثر من عشرة مواضع تنفى الخوف والحزن عن أولياء الله: «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

وقد حدد القرآن صفات الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون، الذين يتبعون هدى الله «الذين آمنوا بالله»، «من أسلم وجهه لله»، «الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله»، «الذين استشهدوا فى سبيل الله»، «من آمن وأصلح»، «الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا».

إن الخوف أكبر اختبار للإنسان مَن يعبره يدخل جنة الأمان والحرية، فقد دعا سيدنا موسى «رب اشرح لى صدرى»، أما النبى الخاتم رحمة العالمين فقد شرح الله صدره «ألم نشرح لك صدرك»، لذلك نفرق بين الخوف من الدنيا بجوانبها وتفاصيلها بأسبابها وفتنتها.

وبين الخوف من الله، كما بين لنا النبى الهادى عليه الصلاة والسلام: «أنا أعرفكم بالله وأخوفكم منه»، وقد جاء الإمام القشيرى بخاطرة فى أمر الخوف فى قوله تعالى: «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، إنها لخواص عباد الله، لا خوف عليهم فى الحال، لكن حقيقة الخوف بسبب توقع محظور فى المستقبل أو ترقب محبوب يزول، أما الخواص من عباد الله فليس لهم تطلع إلى المستقبل لأنهم فى روح الرضا بكل ما يجرى.

إن الخوف من الله غير الخوف من الدنيا وأسبابها وقوانينها، لذلك لا تستعجب أبداً من أطفال غزة، أشهد يا رب أنهم خواص عباد الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إنهم فى خيمة الحب والرضا والود، قلوبهم محفوظة مهما جرت أمامهم الأهوال، أطفال غزة يشربون البلاء فى رضا وإيمان، إنهم شهداء علينا، وهم الدرس وهم العلام.