نستكمل اليوم عرض بعض من تطلعات المصريين المشروعة مع مطلع العام الثانى للرئيس السيسى فى رئاسة الجمهورية، الذين يأملون أن يكون العام الجديد أفضل من سابقه وفاتحة لسنوات من التنمية المستدامة وترسيخ العدالة الاجتماعية والبدء بتحول ديمقراطى حقيقى.
إن ما يتطلع إليه المصريون هو بالأساس التخلص من المشكلات والتحديات التى صنعتها أنظمة الحكم السابقة وهو أمر صعب المنال باعتبار تراكم المشكلات طوال سنوات التردى والاستبداد التى سادت عصر مبارك، والجهالة والظلامية وإقصاء من هم من غير الأهل والعشيرة التى كانت سمات حكم الجماعة الإرهابية. وبالقطع فإن الرئيس السيسى ليس مسئولاً عن صنع تلك المشكلات والمصاعب، ولكنه بالقطع المسئول الأول عن ضرورة التصدى لها والعمل على إنقاذ الوطن منها ومن آثارها السلبية، وكذلك لا يمكن أن تسأل حكومات ما بعد 30 يونيو 2013 عن جرائم النظامين السابقين فى حق الوطن والمواطنين، ولكنها بالتأكيد مسئولة عن استمرارها وعدم الكفاءة فى التصدى لها بأساليب غير تقليدية لا تكتفى بإخفاء مظاهر المشكلات، ولكنها تستأصل أسباب المشكلات من جذورها وتمنع تجددها. وقد تكون بعض ممارسات تلك الحكومات تساعد فى تثبيت أركان بعض سمات النظم السابقة!
إن ما يتمناه المصريون هو القضاء على نظامى مبارك ومرسى، فثورة 25 يناير لم يتح لها تحقيق أهدافها بسبب توقف الشعب الثائر عن فعاليات الثورة بمجرد أن أعلن مبارك تخليه عن السلطة، ومسارعة الجماعة الإرهابية إلى ركوب موجة الثورة والعمل بدأب للاستيلاء على مفاصل الدولة بإثارة الفتن وتكريس الفوضى ومظاهر الانفلات الأمنى والاعتصامات والمطالب الفئوية التى شغلت المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومات السابقة عن مخطط الإخوان وحلفائهم من السلفيين للتسلط على مجلسى الشعب والشورى وانفرادهم باللجنة التأسيسية للدستور إلى أن تمكنوا من الوصول إلى قصر الاتحادية، وبذات المنطق فشلت الحكومات التى شكلت بعد الخلاص من حكم الإخوان الإرهابيين فى تخليص الوطن من نظام حكم تكلس وعلاه الصدأ وانتشر به الفساد، وجهاز إدارى ومؤسسات تكرست فيها البيروقراطية وترهلت تنظيماتها وأصبحت مضرب الأمثال فى الفشل العام.
إن ما يتطلع إليه المصريون هو الخلاص من نظام حكم أُسقط رئيساه ولكن بقيت مؤسساته وسياساته وتوجهاته وقوانينه وإجراءاته يستخدمها ويعتمد عليها الرئيس السيسى وحكومته، وهو ما يهدد بالفشل كل ما يصبو إليه الرئيس من تنمية وما يخطط له من مشرعات.
إن نظام حكم البلاد وإدارة شئونها لم يزل على حاله منذ 1952 مروراً بعصور عبدالناصر والسادات ثم مبارك وانتهاء بمرسى، وحتى بعد 30 يونيو 2013 وتنصيب رئيس منتخب جاء بعد إقرار الشعب لدستور جديد فى يناير 2014! النظام كما هو بدءاً من طريقة تشكيل الوزارات وعدم وضوح معايير إنشاء الوزارات وإلغائها ودمجها أو فكها، فيتم إنشاء وزارات لا تمارس الاختصاصات التى أنشئت من أجلها، وعندنا من هذا الصنف على الأقل وزارة العدالة الانتقالية ووزارة التطوير الحضرى والعشوائيات، ووزارات لا ندرى شيئاً عن أعمالها وإنجازاتها إن كان ثمة إنجازات مثل وزاراتى البيئة والبحث العلمى، ووزارات خارج السياق تغرد منفردة مثل الثقافة والعدل حتى وقت قريب، وقد أضيفت إلى التشكيل التقليدى وزارة دولة للسكان ووزارة دولة للتعليم الفنى! وتبشرنا الأنباء بقرب عودة وزارة كان قد تم إلغاؤها فى السبعينات وهى وزارة المصريين فى الخارج، ووزارة سيتم سلخها من وزارة الصناعة والتجارة وهى وزارة المشروعات المتوسطة والصغيرة، ولا أحد يعلم لماذا تنشأ الوزارات أو متى ولماذا تلغى؟!
نفس الشىء يقال عن أسلوب ومعايير اختيار المحافظين وقيادات الإدارة المحلية ورؤساء المؤسسات والأجهزة الحكومية، فلا أحد يعلم متى ولماذا تجرى حركة للمحافظين على سبيل المثال، وما معايير تقييم أداء المسئولين فى كافة المجالات، ولا تزال المركزية الطاغية هى السمة الأساس للإدارة المحلية، ولا تزال التنمية المحلية حلماً بعيداً عن المصريين!
إن نظام حكم البلاد وإدارة شئونها لم يزل على حاله من غياب الرؤى والخطط والبرامج المعلنة التى يشارك المواطنون فى مناقشتها ومن ثم قبولها أو رفضها، ما زالت المشروعات المسماة بالقومية أو الكبرى أو العملاقة تتنزل على الناس فجأة من مؤسسة الرئاسة دون أن تتاح الفرص لتدارسها وتقييم جدواها وأولوياتها بالمقارنة باحتياجات الوطن والمواطنين، ودون تقييم لاعتبارات التكلفة والعائد!
ما زالت نظم التعليم والبحث العلمى، ونظم العلاج والصحة، ونظم العمل فى مختلف وزارات الدولة ووحدات الإدارة المحلية على ما هى عليه من روتين قاتل وفرص لا متناهية للفساد المالى والإدارى مع تضخم أجهزة الرقابة!
إن كافة نظم الإدارة الحكومية التقليدية والمنتهية الصلاحية بحكم التطور العلمى والتقنيات الجديدة، وبحكم تطلعات الناس وزيادة معارفهم لا تزال هى القائمة منذ سنوات طوال، ولا تزال إدارة الرئيس السيسى تستخدمها بكل معوقاتها وسلبياتها، فأسلوب ومعايير إعداد الموازنة العامة للدولة كما هو منذ آخر تطوير بموجب القانون رقم 87 لسنة 2005! الذى نص على ضرورة تطبيق موازنة البرامج والأداء منذ تاريخ العمل به!
إن المصريين يطالبون الرئيس السيسى بالخروج من أسر نظم الحكم السابقة التى استمرت على مدى أكثر من ستين عاماً، والانطلاق إلى نظم للحكم تعتمد الأساليب العلمية فى التخطيط والمتابعة وتقييم الأداء، نظم تستند إلى معايير واضحة ومعلنة فى اتخاذ القرارات، واختيار السياسات والمفاضلة بين البدائل.
والمصريون يطالبون بنظم حكم ديمقراطية تؤسس لدولة مدنية قوامها المواطنة والتعددية السياسية الحقة، وتكون السيادة فيها بحسب الدستور للشعب.
إننا نعيش عصر العلم والمعرفة والعولمة، فلا نستطيع التخلف عن الركب أكثر من هذا!