كلمة عن فيلم «ممر الألم»

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

عقدت مبادرة «سؤال» بمؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات بالقاهرة ندوةً لمناقشة فيلم «ممر الألم»، وهو فيلم وثائقي درامي من إنتاج المؤسسة، وبطولة الفنانة جهاد حسام الدين، ويتناول الأسئلة التي تدور في ذهن الشباب المنفجر نفسياً، أو ما يسمى (الملحد المنفجر نفسياً وإن لم يكن ملحداً بالمعنى الحرفي)، بسبب تحيره في مسألة خلق الله للشر والزلازل والأمراض، وقد استغرق الإعداد للفيلم حوالي 4 سنوات.

حضر المناقشة صناع الفيلم والمشاركون فيه وشخصيات فكرية وفنية وإعلامية ودينية، وكان من ضمن المشاركين فى الفيلم الكاتب سامح فايز، وهو صاحب تجربة فى هذا المضمار، وتقدم المشاركين: الحبيب على الجفرى، والأنبا موسى نائباً عن الأنبا أرميا رئيس المركز الثقافى القبطى، وأدارت اللقاء مخرجة الفيلم شيماء شرف الدين، وأسهم الحاضرون بمناقشاتهم بعدد من المقاربات الدينية والأسرية والاجتماعية والثقافية والتربوية.

شارك فى الفيلم عدد من الشخصيات الحقيقية، التى تحدثت بكل وضوح حول أسئلة متعلقة بالشر والعدالة والظلم والألم، ولماذا خلقه الله مع أنه رحيم، والشعور بالألم والتردد داخل هذه الرحلة الشاقة، لذلك جاء اسم الفيلم «ممر الألم»، ليعبر عن هذه الحالة بطريقة جريئة احترافية، تحرك الوعى، وتثير العقل، وفيه حبكة درامية مثيرة صادقة، ومع أن الفيلم لم يقدم أجوبة كاملة عن الأسئلة، لكننى لست مع بعض الحضور الذين حمَّلوا الفيلم مسئولية الإجابة (الكاملة) عن (كل الأسئلة المطروحة).

إن أهم ما حققه الفيلم هو أنه شعر (بالألم) الذى يمر به الآخرون، وشعر بحياتهم، وشعر بدواخلهم، وهذا مهم فى أن علماء الدين يجب ألا يستعلوا على هؤلاء، أو يستخفوا بآلامهم، أو يتعاملوا مع مشاكلهم تعاملاً نصوصياً جافاً، بل لا بد من خلق مساحة للتقارب، وتجاوز مرحلة الغلق والمنع، وقبول الأسئلة المحرمة أو الممنوعة، ولمؤسسة طابة إصدارات بعنوان: (من حقى أن أسأل)، و(هل السؤال ممنوع؟).

وقد ذكرتُ أن هناك كتاباً لإسماعيل أدهم، عنوانه: (لماذا أنا ملحد؟)، رد عليه الشيخ عبدالمتعال الصعيدى بكتاب: (لماذا أنا مسلم؟)، وفريد وجدى بكتاب: (لماذا أنا مؤمن؟)، فردوا الفكرة بالفكرة، والكتاب بالكتاب، وشريحة الإلحاد التى تناولها الفيلم لا يكفى فيها مسألة الرد أصلاً، بل لا بد أولاً من مسألة الشعور والإحساس واللين وفهم الخلفيات والتماس الأعذار كمداخل مهمة لفهم هذه الشريحة، من خلال تعامل هادئ يحترم عقول الشباب، ويناسب وجدانهم، وعدم التعامل معهم من علٍ معاملة الأستاذ لتلميذه، أو المستقيم للمنحرف.

وهذا ما أكده الحبيب الجفرى فى الندوة بكلمة مهمة جداً، منها قوله: «ميزة مثل هذه الأفلام أنها تشعرنا بمعنى الحياة، أى الشعور بمن حولنا.. بإنسانيته، بألمه..، وهو معنى مهم من معانى الحياة، والذين ظهروا فى الفيلم مروا بمعاناة وألم، منقسم إلى نوعين، ألم ناتج عن الرحلة، وألم ناتج عن التعامل مع هذه الرحلة، أنا لم أرَ ملحداً فى هذا الفيلم، والمسألة ليست أجوبة عقلية، لو كان العقل فى كل الحالات يستطيع أن يسعف صاحبه ما كان الإنسان إنساناً، بل كان الإنسان آلة، وأهم ما فى الفيلم هم الذين فى الفيلم، وشعورهم أن هناك من يشاركهم معاناتهم، كما أن المتخصصين دينياً لم يستخفوا بألم هؤلاء، لأن استشعار المعاناة مهم جداً».

بقى أمران:

الأول: أن الفن قوة ناعمة مهمة فى مكافحة الإلحاد والتطرف والجريمة، ويضطلع بدور حيوى فى تشكيل وجدان الناس وتحفيزهم على التفكير والتأمل والحوار، وبناء الوعى، والشعور بالمعاناة والألم- كما جاء فى فيلم (ممر الألم)، لفتح ممر الأمل للخروج من ممر الألم، وإن لم يكن الفن بهذا المعنى، فإنه سيؤدى إلى نشر السلبيات وتعزيز الانحراف وتجريف العقول وتسطيح المفاهيم ودعم التطرف.

الثانى: على مؤسسة طابة والقائمين عليها، والأستاذ الباحث مصطفى ثابت، الخبير بملف الإلحاد فى المؤسسة، الخروج بهذا العمل الدرامى المهم من الحيز الضيق، حيز الصالون الثقافى داخل مؤسسة أكاديمية، إلى حيز أوسع، بعرض الفيلم ومناقشته فى التجمعات الشبابية، والجامعات المختلفة، ليتاح للشباب مشاهدة عمل درامى ممتع هادف، يحرك العقول، ويخلق حالة من الوعى والنقاش والحوار، وحالة وجدانية من حب الله الخالق الحكيم، وحالة إيمانية بالرضا بتقدير من يدبر الأمر، سبحانه وتعالى.