ناصر عبدالرحمن يكتب: الخيال

فى قوله سبحانه وتعالى «قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)، القرآن الكريم يُقرِّب لنا المعانى ويضرب الأمثال ويُخبرنا عن سيَر الأنبياء وعوالم الجنة والنار بالتصوير والتقريب. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت».

وقال ابن عربى: «الوجود شقان شق حقيقى وشق خيال»، فالوجود الحقيقى هو الله، والخيال هو كل من سواه، وقال الحلاج فى حب الرسول، صلى الله عليه وسلم،: «والله ما طلعت شمس ولا غربت.. إلا وحبك مقرون بأنفاسى، ولا هممت بشرب الماء من عطش.. إلا رأيت خيالاً منك فى الكاس»، وقال الشاعر أدونيس: «التخيل هو رؤية الغيب»، ولولا الخيال ما اكتشف العلماء شيئاً، ولا كتب الشعراء الشعر ولا كتب الأدب ولا القصص ولا الحكايات ولا جلس الناس جلسات السمر، خيال الأدباء قاد العلماء لاكتشافاتهم.

قال المفكر جون ديوى: «الخيال أكبر من أى قدرة أخرى»، وكتب الفارابى المدينة الفاضلة، كما أن كتاب ألف ليلة وليلة عبارة عن قصص خيالية وأساطير وأحلام ورموز فى قالب مشوق يمزج بين حياة الإنسان وتعقيداته وبين عوالم الجن وعوالم الحيونات والطيور. والخيال معناه فى المعاجم.. «خال الشىء: ظنه»، «تخيل الشىء يعنى: تشبه»، «كما وصفوه بأنه ملكة فوضوية لا تخضع لسلطان العقل».

والخيال هو القدرة على تكوين صورة ذهنية لأشياء غائبة، الخيال هو ذكرياتك، الخيال هو طفولتك، خيالك هو حزنك وشقاؤك وخوفك، بل إن سعادتك من خيالك. الخيال له أبواب لا نهائية كلها تشرق من قلبك، أنت مصدر خيالك، ماضيك خيال، وحاضرك خيال، ومستقبلك من خيالك.

لن تستطيع حصر أبواب خيالك، وإن أردت أن تسبق خيالك لن تستطيع، خيالك هدية من ربك، وزادك لحسن الظن، خيالك لا يفارقك أبداً، تستدعيه ويستدعيك، تستغيث به ويُغيثك، تستدعيه عندما تشرد أو تهرب، ويستدعيك عندما تنام وتحلم، تتجدد أبواب الخيال وتتفتح وتزيد وتنقص.

ولكل عمر خيالاته، لطفولتك خيال، ولشبابك خيال، عزتك خيال، وقوتك خيال، حتى ضعفك أنت صانعه، تظن بهذا أنه يكرهك وهذه تحبك وهؤلاء يغارون منك وتلك تهرب منك وهذا يحسدك، كلها ظنون من الخيال لا يُسقطها غير خيالك، للخيال باب ظلمانى يأتيك فى الضيق واليأس، وأبواب نورانية تأتيك من الحق الربانى ومن شيخك.

إن الخيال أوسع من الحياة التى تعيشها، أوسع من الأرض التى تحملك، ومن الهواء الذى تتنفسه، خيالك يسعى إليك فاسعَ إليه، واعلم أنه ليس من حقيقة وانتباه إلا من ثلاثة أبواب: «الباب الأول باب الظن بالله»، «الباب الثانى باب الوالدين»، «الباب الثالث باب الحب»، نعم.. لا نجاة إلا بالحب، الحب حقيقة الحقائق وباب الفتوحات، الحب صراطك وانتباهك ومستقبلك ومجهولك، الحب أصل كل صورة، الحب يسبق كل شىء، يسبق الواقع، ويسبق الخيال.