ناصر عبدالرحمن يكتب: الزمن
الزمن سر خفى، لا يدركه الإنسان إلا على قدره، لا أحد يستطيع إدراكه واستيعابه، هو لغز الألغاز، يتغافل عنه الناس وهو مدركهم، فيه الحياة وفيه السعادة وفيه الشقاء «وكل شىء فصلناه تفصيلاً»، مثل الهواء ومثل الماء. الزمن إذا تجسَّد جُن العالم، لا يستطيع احتواءه إلا ربانى.
يعلمنا القرآن بإشارات عن الزمن: «الفجر»، «النهار»، «الليل»، «الضحى»، «العصر»، «الشمس»، «القمر»، «الحياة»، «الموت». كما يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم، كيف ندرك علامات الزمن: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.. الصحة والفراغ»، «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه»، «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل»، «اغتنم خمساً قبل خمس.. حياتك قبل موتك.. صحتك قبل سقمك.. فراغك قبل شغلك.. شبابك قبل هرمك.. وغناك قبل فقرك».
والأدباء كان الزمن شغلهم ومصدر آلامهم ومصدر إلهامهم، مصدر فرحهم ومصدر إدراكهم. قال شكسبير: «الزمن بطىء جداً لمن ينتظر.. سريع جداً لمن يخشى.. طويل جداً لمن يتألم.. قصير جداً لمن يحتفل، لكنه الأبدية لمن يحب». إن الأدب والشعر وفنون الكلام والمسرح والسينما كلها لا تُدرَك بدون الزمن.
يقول أحدهم عن الزمن الإبداعى «الزمن عملية تتقدم الأحداث بشكل مستمر»، ولمن يريد أن يقسم الزمن ليعلم مدى اتساع وعمق وتشعب الزمن، وحتى يعلم كُتاب السنيما أن الزمن فى السيناريو بالغ التعقيد شديد الأهمية دونه يتهاوى القص وتسقط الحكاية: «زمن التسلسل».. «زمن الأحداث».. «زمن الشخصية».. «الزمن الموضوعى فى الحكاية».. «زمن السرد».. «الزمن السريع».. «الزمن البطىء».. «الزمن الذاتى».. «زمن القصة».. «زمن عرض القصة أو الرواية».. «زمن المشاهدة».. «زمن كاتب القصة».. «زمن الماضى فى الرواية فلاش باك».. «زمن التخيل فى الرواية فلاش فورورد».. «زمن الأحلام داخل الرواية».. «زمن الأكشن».. «زمن المشاعر داخل الأحداث».. «زمن وتاريخ عرض الحكاية».. «زمن البلاد التى تُعرض فيها الرواية».. «زمن استيعابك للرواية».
كلها إشارات للزمن ومدى أهميته، وهناك الزمن الانشطارى، وقد نُفذ فى الكثير من الأفلام السنيمائية، ومعنى الانشطار فى زمن الأحداث صنع تسلسل لا نهائى من الأحداث بناء على تغيير فى الترتيب الزمنى للقصة والأحداث، كل ما سبق وزيادة، تراه أمامك الآن وأنت تأكل الزبادى، تراه فى التكنولوجى والذكاء الاصطناعى الذى غيَّبك عن إحساسك بالزمن، تغير إيقاع الزمن بسبب سرعته التى أثرت فى كل شىء، فإن أردتك أن تُخرج نفسك من طاحونة الزمن فعليك السكون داخل زمنك أنت، تعرُّفك على زمنك ينجيك من الدهس.
صديقى وأخى، لا تتغافل عن زمنك، اعرفه وصاحبه وتحالف معه، وإن أردت السعادة حب زمنك، واسكن خيمته، لا تهرب من زمنك ولا تبغضه ولا تتمنى زمن غيرك، فإن فى زمنك الخلاص.