«أما قصة عبرة بصحيح»!
إذا كتبت عبارة «أما قصة عبرة بصحيح» على محرك البحث الشهير «جوجل»، لظهرت لك آلاف الروابط، التى ستقودك إلى قصص مفبركة أو مبالغ فيها بإمعان، وهى قصص تم عرضها غالباً على مواقع «التواصل الاجتماعى» من خلال أشخاص أرادوا شيئاً من اثنين، أو كليهما؛ أولهما لفت الأنظار وزيادة التفاعل، وثانيهما تحقيق أثر سياسى أو اجتماعى محدد؛ لخدمة مصلحة مشبوهة على الأرجح.
وعبارة «أما قصة عبرة بصحيح» اقتطعها الناشطون على مواقع «التواصل الاجتماعى» من أحد الأعمال الفنية، واستخدموها كتعليق دائم على كل قصة يعتقدون أنها مختلقة، أو مبالغ فيها، أو مغرقة فى دراميتها، وبسبب زيادة هذا النوع من القصص أخيراً، صارت هذه العبارة شائعة فى عديد من المواقف والبيئات.
إنها طريقة ذكية وناجعة فى آن واحد؛ إذ تعفى المعلق من تفنيد القصة أو إيراد الحجج على تهافتها واختلاقها، عبر وصمها بهذا التعبير المنحوت بعناية، ومع ذلك، فإن أثر القصص المصطنعة ما زال كبيراً، ورواجها يظل إشكالاً.
ومن تلك القصص، ما تناقلته الوسائط الرائجة فى الأسبوع الماضى من شكوى قدمتها فتاة من منطقة الهرم، عبر فيديو بثته على حسابها على إحدى «المنصات الاجتماعية»، تدعى فيه أن خمسة مهاجرين سودانيين «سحلوها وسرقوها»، وهو الادعاء الذى حظى بتفاعل كبير ولافت، وتم استخدامه على نطاق واسع فى حملة متكاملة ضد المهاجرين، باعتباره سبباً إضافياً لتعزيز الشحن ضدهم.
على أى حال، فقد حققت النيابة العامة فى تلك الشكوى، وثبت لها أن القصة «مختلقة»، بعدما اعترفت الفتاة، وفق وسائل إعلام عديدة، أنها اصطنعت تلك القصة لـ«جذب انتباه والدتها لحاجتها للمزيد من الرعاية والاهتمام».
لقد توافرت لتلك القصة «المدعاة والمختلقة» -كما أشارت التحقيقات- أسباب الشيوع والتأثير، كما أنها باتت ذريعة مهمة ضمن تعزيز موقف اجتماعى يتبلور بدأب فى مجال مقاربة أوضاع اللاجئين والمهاجرين، الذين فاق عددهم التسعة ملايين فى مصر راهناً.
وبسبب اكتمال عناصر التشويق والإثارة والأهمية لتلك القصة، فقد استحق القول عنها إنها «قصة عبرة بصحيح»، وفق الصيغة التى طورها مستخدمو وسائل «التواصل الاجتماعى» عند كشفهم الاصطناع والتدليس فى بعض الإفادات المتداولة.
ليست هذه القصة «المختلقة» سوى مثل واحد عن عشرات القصص التى تروج فى «السوشيال ميديا» يومياً، وهى قصص تتوزع على مجالات عديدة؛ منها ما يتصل بتصرفات رجال إنفاذ القانون أو الموظفين العموميين حيال الجمهور، أو ما يتعلق بمشكلات المواطنين فى ظل الغلاء، أو ما يتصل بالممارسات غير الأخلاقية، أو حتى المشاكل الزوجية والاجتماعية.
وبعض هذه القصص يثبت تهافته واصطناعه تلقائياً، وبعضها الآخر يثبت كذبه بعد إخضاعه للتدقيق، وكثير من مصطنعى تلك القصص ومروجيها لا يكلفون أنفسهم تصحيحها بعد ثبوت تلفيقها.
والشاهد أن مواقع «التواصل الاجتماعى» تمنح لمستخدميها إمكانيات هائلة مقارنة بأى وسيلة إعلام «تقليدية»؛ إذ لا تمكّنهم فقط من تلقى الأخبار، بل أيضاً ستمنحهم القدرة على انتقاء ما يروق لهم منها، وربما إعادة صياغتها، وتأطيرها، وبثها خلال ثوانٍ، كما أنه سيكون بوسعهم إنتاج الأخبار، ورواية القصص، وإذاعتها، طالما كانوا يمتلكون هواتف جوالة ذكية، أو أياً من الوسائط التقنية الأخرى، وصلة لـ«الإنترنت».
لكن فى مقابل الميزات الكبيرة التى تتيحها تلك المواقع لمستخدميها، خصوصاً على صعد السرعة والإيجاز والتفاعل وإمكانات البحث وقدرات التعبئة والتوجيه، ثمة الكثير من السلبيات؛ فتلك الوسائط لا تُخضع المحتوى الذى تبثه لأى شكل من أشكال التقييم أو المراجعة المسبقة، ولا تلزم من يبث هذا المحتوى بأى قدر من الالتزام، سوى ما يقرره طوعاً لذاته.
ومع التصاعد الكبير فى أعداد مستخدمى «الإنترنت» وشبكات «التواصل الاجتماعى» عبر العالم، تزايد تأثير تلك الشبكات فى الأوضاع المجتمعية لمختلف البلدان؛ وهو الأمر الذى فرض تحديات كبيرة على نطاق السيادة الوطنية على المجال الإعلامى من جانب، وخلق فرصاً يمكن الاستفادة منها من جانب آخر.
وتظل قدرة الحكومات على المواءمة بين مقتضيات حرية الرأى والتعبير وبين اعتبارات الأمن القومى وصيانة الحقوق الشخصية محل تقدير شديد فى هذا الإطار، لكن تلك المواءمة تحتاج إلى مبادرات قوية تشمل عنصرى التنظيم القانونى وآليات التطوير والتعزيز.
ينظر إلى مواقع «التواصل الاجتماعى» من جانب قطاع عريض من المستخدمين والحقوقيين والناشطين باعتبارها «فضاءً حراً» لا يجوز فرض أى تنظيم أو سن قوانين بصدده، وتعد «حرية الإنترنت» أحد مؤشرات قياس درجة الحريات العامة فى البلدان.
وفى المقابل لم يعد بالإمكان إنكار ضرورة تطوير نوع من التنظيم لتلك الشبكات، خصوصاً بعدما زادت إلى درجة كبيرة الممارسات المسيئة عبرها؛ سواء تجسد ذلك فى دعم الإرهاب، أو التمييز، أو إثارة الكراهية، أو التحريض على العنف، أو إطلاق الحسابات الوهمية، وحرف الرأى العام، وإشاعة الأخبار المزيفة، وانتهاك الحقوق الشخصية، والترويج للإباحية، والإضرار بالنشء وبالصحة النفسية للمستخدمين.
نحتاج إلى وقفة ضرورية مع الممارسات المسيئة عبر تلك الوسائط، وأهم عنصر فى تلك الوقفة يجب أن يتعلق بترقية إمكانيات التلقى لدى المستخدمين أنفسهم، حتى لا يتحولوا إلى زبائن مخلصين، ومروجين نشطين لقصص «عبرة بصحيح».