«عمَّار وسعيد».. سيرة مُلهمة وكتابة بديعة
«عمَّار الشريعى.. سيرة مُلهمة».. كتاب شغل صاحبه 27 عاماً، فمنذ أول لقاء جمع الكاتب الصحفى سعيد الشحات بالموسيقار عمَّار الشريعى عام 1997، لم يفارقه أمل إنجاز الكتاب، حتى خرج للنور عن دار «ريشة» فى 2024.
تأجل الإنجاز لسنوات بحثاً عن قيمة مُضافة يقدمها الكتاب توازى السيرة الملهمة.. عاد الكاتب لأوراقه القديمة «قصاصات صحف ومجلات» وتسجيلات لحوارات وندوات ودردشة تراكمت بأدراج مكتبه، وزاد عليها شهادات عن بطل السيرة.. «أنا ممن يحبون الشهادات الحية فى الكتابة عن الشخصيات لأنها تضخ الدماء فى المعلومات قديمها وجديدها، وتعطى نبضاً على الورق».. يقول سعيد الشحات.
للكاتب منهجه المميز فى تناول السيَر، مُلتزماً بأصول البحث والتدقيق وطرح الأسئلة والفرضيات وربط الأحداث ببعضها وتأملها بعمق، وصياغة ذلك كله فى سرديات تاريخية بديعة، تجعل القيم والمعانى تنساب كالماء، وتنتقل من السطور لذهن المتلقى، فتُحدث الأثر «النشوة» التى يبتغيها كل كاتب وينتظرها كل قارئ شغوف. هذا وغيره حاضر فى سيرة «الشريعى».
جمال بخيت وعلى الحجار وعُمر بطيشة وسامح الصريطى وأحمد الجمّال، والراحلون سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودى وسعيد الفرماوى، ومبدعون وأقارب ورفاق مسيرة كثيرون، أطلوا من صفحات الكتاب بإفادات وحكايات وأسرار ورحيق أيامهم مع «عمَّار».
وتجلت مهارات الكاتب فى وضع كل شهادة وموقف ونكتة سمعها منهم ضمن سياقها الأكبر فى حياة «عمَّار» وتجربته وتاريخ مصر.. يُضاف إلى ذلك «عمَّار» نفسه كمصدر، عبر حوار صحفى ممتد أجراه معه سعيد الشحات فى التسعينات، ثم الاستماع لحلقات برنامجيه: الإذاعى «غواص فى بحر النغم»، والتليفزيونى «سهرة شريعى»، وعشرات اللقاءات والحوارات ومقالات كتبها لمجلة الهلال وجريدة الأهرام.
حرص سعيد الشحات على «تنوع المراجع» فاعتمد على «22 كتاباً و44 صحيفة ومجلة و12 برنامجاً وأكثر من 10 شهادات لأحياء وراحلين»، ما يؤكد، من وجهة نظرى، قيمة الكلمة التى تُكتب أو تُقال، وتظل طازجة وصالحة للاستدعاء فى مثل هذه الأعمال الجادة.
محنة «كف البصر» كانت لها فى حياة «عمَّار» بصمات كبرى ممزوجة بالتحدى والاعتماد على السمع وعشق الراديو، وكان طبيعياً أن يتقصى الكاتب هذا الأثر عبر السنين.
شاءت الأقدار، دون ترتيب من الكاتب، أن تكون حكاية «العمى» محور أول لقاء له مع الموسيقار الكبير.. فى أحد أيام 1997 استقبله «عمَّار» بمنزله، ثم استأذنه فى الانتظار لانشغاله مع أحد الفنيين فى توصيل جهاز التليفزيون بريسيفر وطبق دِش.. «كان عمَّار يمسك الريموت بيده ويقلب قنوات التليفزيون ويبلغ الفنى بحالة الصورة قائلاً: مش مظبوطة.. كده بقت معدولة.. خلاص تمام».
وبعد انتهاء المهمة عاد «عمَّار» لإجراء الحوار، وبذكاء بالغ أزال أسباب الدهشة عن الصحفى الذى وجد نفسه أمام مفارقة لم يحسب لها حساباً، واتخذ من حكاية «الريموت» مدخلاً ليروى قصته مع «العمى» منذ ولادته، مروراً بتأثيره فى حياته ودراسته وحبه للموسيقى، وانتهاء بمحاولات فاشلة من أصدقائه لإقناعه بإجراء «عملية» فى الخارج لاستعادة بصره، وبيقين راسخ ورضا رفض هذا الأمر بشدة، متجنباً اهتزاز عالمه وتكسر قناعاته حال أصبح مُبصراً.
لم يخلُ الكتاب من أسرار وانفرادات، أبرزها قصيدة شعر لـ«عمَّار»، تأثراً بموقف له مع أستاذه بقسم اللغة الإنجليزية فى آداب عين شمس، عندما طلب منه كتابة مقال باللغة الإنجليزية لتقييمه، وجاء التقييم فى شكل نصيحة بأن «يلتحق بقسم اللغة العربية لأن أسلوبه سيئ وضعيف جداً رغم أن المقال فكرته رائعة»، حسبما يروى «عمَّار» فى حوار لجريدة «العربى»، أجراه الصحفى على الفاتح.. مضيفاً أنه بسبب هذه الكلمات الثقيلة، عكف لمدة 6 شهور يبذل مجهوداً خرافياً فى المذاكرة، والنتيجة أن الأستاذ وقف قبل امتحان نهاية العام، وقال للطلبة: «دون امتحان، أقدم لكم عمَّار الشريعى أول الدفعة»، والأهم أن هذا الموقف فجَّر الطاقة الإبداعية فى كتابة قصيدة طويلة، يقول فى مطلعها:
«وصحى من النوم على أول يوم
أُمه واقفاله بتندهله
قلبها من صدرها راح يطلع
عايز يجرى ويوصل قبله
مسكين وهيقدر يعمل إيه
ده حياته كانت كلها ضلمة
ده ماشافش النور».
وجوه كثيرة لعمَّار الشريعى تطل من سيرته، هو كما يقول الشاعر سيد حجاب: «ابن الأرستقراطية المصرية التاريخية اللى صاع فى حوارى وأفراح وموالد البلد»، و«خى خياته»، أى أخ إخوته وأصدقائه، بتعبير الشاعر عبدالرحمن الأبنودى، و«المعجزة المصرية»، بوصف الشاعر جمال بخيت، و«غواص فى بحر النغم»، والتعبير للإذاعى القدير عُمر بطيشة، و«عبدالوهاب عصره»، وفق تقدير الفنان على الحجار، و«الكفيف الذى يرى»، كما رآه الكاتب سعيد الشحات، وهو بامتياز أحد أصول القوى الناعمة المصرية فى عز مجدها.
وتبقى مسارات أخرى مضيئة فى سيرة «الشريعى»، ألمح إليها الكاتب، وتظل جديرة بالتنقيب عنها وتقديمها للجمهور، منها مثلاً: حلمه بأن يكتب مذكراته بعنوان «أيامى»، باعتبار أن طه حسين قدم «الأيام»، وكانت نواتها الأولى مقالات لـ«عمَّار» فى ملحق الجمعة بالأهرام، وهى عبارة عن لقطات من حياته، هذا ما يرويه الشاعر جمال بخيت، ويأسف على ضياع هذه الفرصة التى كان يطمح لإنجازها، من خلال جلسة أسبوعية ولو لساعة واحدة يسجل فيها مذكرات «عمَّار»، لكن الفكرة اللامعة على بساطتها تاهت فى زحام الحياة.
وتُعد سيرة «عمَّار» حلقة جديدة فى مشروع فكرى كبير، بدأه سعيد الشحات منذ سنوات، ويحرص فيه على دقة الاختيار وعمق التجربة ووضوح الأثر وقوة التأثير، ومن واقع معرفته وبحثه فى تجارب أصحاب السير، بما يمثلونه من مخزون كامن لقوة مصر الناعمة، يتنقل برشاقة وحرفية الكاتب المخضرم بين محطات حياتهم ليقدم لنا دوماً مذاقاً مختلفاً لكل حكاية.
يظهر أثر هذه الطريقة المميزة فى البحث والكتابة فى زاويته اليومية «ذات يوم» بجريدة «اليوم السابع»، التى قدم بها للمكتبة العربية كتاباً مهماً من جزأين حتى الآن بنفس العنوان، ويتناول فيه الرواية غير الرسمية لأحداث تاريخية فارقة وأخرى منسيّة، وكذلك فعل فى كُتبه الأربعة الأخرى: «أم كلثوم وحكام مصر»، و«محمد رشدى.. موال أهل البلد غَنّوه» و«ذكريات عشناها وأحلام مشيناها»، وتضمن حوارات مع نجيب محفوظ ومحمود درويش وسميح القاسم وعبدالرحمن منيف وبهاء طاهر وأسامة أنور عكاشة وجلال أمين، وأخيراً كتاب «عمَّار الشريعى.. سيرة ملهمة»، وقطعاً سنسعد مع سعيد الشحات بكُتب قادمة عن شخصيات مُلهمة فى حياتنا وتاريخنا، وأملى أن يستعين بفريق من الباحثين والصحفيين لإنجاز ما لديه من أفكار ومشروعات لا يسعفه الجُهد والوقت لإنهائها.