فخ النوايا الطيبة

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

صحيح أن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، لكن الحياة لا تستقيم بالنوايا الطيبة، التى قد تصير فخاً مع الوقت، أو بالأحرى «بلاعة» تبتلعنا وكل ما يتعلق بنا، هل تعلم كيف تسير الأمور؟

يحدث أن يأتيك يوم ليس ككل يوم، يوم تنقلب فيه حياتك رأساً على عقب، تكون فيه ككل هؤلاء الذين يستيقظون فى الصباح مع الكثير من الأمنيات الطيبة والنوايا الحسنة، تنفض النوم وتبدأ اليوم وأنت لا ترغب فى أى مكروه لنفسك أو لغيرك، لا نوايا سيئة ولا رغبة فى شىء سوى السلام والأمان والسعادة والنجاح، فى تلك اللحظة لا تطمح حقاً إلا فى مجموعة المواقف السعيدة والأخبار الطيبة على مدار اليوم، وربما وقت طيب تقضيه بصحبة من تحب والسلام ختام، لكن دائماً يحدث ذلك الأمر البشع جداً، إن لم يحدث اليوم فسوف يأتى غداً أو بعد غد، هل تدرى ما هو ذلك الشىء؟

أتحدّث عن ذلك الاختبار العنيف، الذى يهبط عليك فجأة من دون مقدّمات، اختبار يأتى من حيث تترفّع أنت عن أن تتداخل معه، اختبار يعيدك تلميذاً، يمتحن مبادئك، واحترامك لنفسك، ولمن حولك، يضطرك للإجابة عن أسئلة لم تخطر ببالك فى يوم من الأيام، ويضطرك لاتخاذ قرارات حاسمة ونهائية، قد تقلب حياتك فى لحظة واحدة رأساً على عقب، هل تعلم ما أتحدث عنه حقاً؟

أتحدّث عن «الوعى» الذى يأتى بتلك اللحظة التى تنجلى فيها الأقنعة عن الحقائق المرعبة، فترى أموراً لم تكن تراها من قبل، تتغير المواقف والقناعات، وتقف مذهولاً من كم الخذلان حولك، وحقيقة الأشياء، فجأة يختفى الأصدقاء، ويتوقف الطيبون عن أن يكونوا كذلك، يصبح الكون فى لحظة بيئة معادية، وتتحول دائرتك الآمنة إلى مساحة سامة، تضطر للاختيار، إما الهروب بجرح وإما البقاء فى انتظار الموت، القرار لك، والثمن باهظ جداً، يطلقون عليه «ثمن الوعى».

لحظة الوعى التى أتحدث عنها لا تتعلق بالضرورة بأمور شخصية وحسب، قد تكتشف الكثير عن أمور كنت تعتقد أنها مسلّمات من حولك فى الحياة والعالم، كل شىء يتغير باستمرار وبعنف، وفى لحظات الوعى التى لا تأتى المرء طوعاً أو بمحض إرادته، يبدأ الأمر بالإنكار، لا، هذا ليس حقيقياً، البعض يحاول العودة إلى النوم، إلى لحظات الصباح الأولى، التى ظن فيها أن كل شىء بخير وعلى ما يُرام، لكن للأسف الشديد لا يعود هذا ممكناً، فالنوم لا يغير الحقائق وإنكار المصائب لا ينفى وقوعها!

عن تلك اللحظة أتحدث، حين تكتشف أن النوايا الطيبة والمشاعر النقية قد تدل على الطريق أحياناً، لكنها فى أحيان أخرى تعمى البصر عن الحقائق الواضحة، حين تأتى تلك اللحظة ستجدك مضطراً لأن تواجه، وتعبر الاختبارات، وتجيب عن الأسئلة، وتثبت لنفسك قبل أى شخص آخر إن كنت حقاً تحترم نفسك أو لا، ستضطر لأن تخطو فوق أمور كانت فى يوم ما هى كل ما يعنيك، سيكون عليك الاختيار إما البقاء متعلقاً فى ذيل الأوهام للأبد حتى تبتلعك بالكامل، أو أنك ستتوقف عند ذلك الحد، عشرات الخطوات والقرارات سوف تتخذها فى وقت أنت غير قادر فيه على أن تقيم ظهرك حتى، لكن المهم أن تنتبه فى النهاية، المسألة ليست سهلة ولكنها تستحق، أو كما قال الدكتور محمد طه فى كتابه «لا بطعم الفلامنجو»: «ثمن الوعى هو المراجعة بلا هوادة، ثمن الرؤية هو إعادة النظر فى كل شىء، ثمن النور هو الخروج من كهوف الظلام التى يسمونها أحياناً مناطق الراحة.. ثمن الوعى قد يكون إنهاء علاقة، أو تغيير وظيفة، أو اعتزال بعض الناس، حين يكتشف الشخص أن بعض اختيارات حياته السابقة كانت خاطئة ومتسرعة ومرضية».