الليالي البالستية
من السيف والمنجنيق وصولاً لبارود المسدس والبندقية حتى الدبابات سمة الحرب العالمية الأولى، والطائرات بطلة المشهد فى الثانية، أسلحة عرفناها من قبل واختلفت عن أسلحة اليوم الأقل فى الخسائر والأدق فى التصويب، سواء فى هجمات البيجر أو المسيرات الانقضاضية، حروب الأمس التى اعتمدت على التوسع البرى عبر الحدود تختلف قطعاً عن حروب اليوم التى يتحصن فيها العدو على بعد آلاف الأميال، ومعها ظهرت الحاجة للصواريخ البالستية، اللاعب الأبرز فى ساحات المعارك المتباعدة جغرافياً.
ليلة سقوط الـ 200 صاروخ البالسيتى على إسرائيل أظهرت لنا سلاحاً «حرفياً يأتى من الفضاء نعم فهو يتم دفعه بأقصى طاقة لخارج غلاف الأرض حتى يتخذ شكل القوس ومنه ينقض من خارج الغلاف الجوى متسلحاً بسرعات تصل إلى نحو 20 ماخ، أى قرابة 25 ألف كيلومتر فى الساعة».
الخبراء العسكريون ليلتها قالوا إن المسيرات قد تصل من إيران لإسرائيل فى فترة من 7 إلى 9 ساعات، بينما يستغرق الباليستى على أقصى تقدير 12 دقيقة، لذا يطلقون عليها سلاح الفقراء، إذ تستطيع إيران وكوريا الشمالية وحتى الهند وباكستان، تعويض تأخرها التكنولوجى أمام الغرب عبر تصنيعها، لكن تظل مشكلتها الأهم سهولة تتبعها من أنظمة الدفاع الجوى لكونها تتخذ مساراً ثابتاً، ولكن يمكن تجاوز هذا العائق مع عدد الصواريخ الأكبر خلال الضربة الواحدة، كما شاهدنا فى هجوم إيران على إسرائيل، إضافة لظهور نوع أحدث وهو الصواريخ الفرط صوتية، التى تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت «5 ماخ أو أكثر من 6000 كم فى الساعة»، وتستطيع المناورة طول هذا المسار.
المثال الأوضح لهذا ما شاهدناه فى 15 سبتمبر الماضى حين أطلق الحوثيون صاروخ فرط صوتى قطع 2040 كم من صنعاء إلى تل أبيب فى 11 دقيقة. عرف العالم عدة محاولات لإنتاج الصواريخ البالستية، وكان من أبرزها الصاروخ الألمانى V2 الذى فشل فى الوصول إلى لندن وباريس خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن فى عام 1958 نجح الاتحاد السوفيتى فى إطلاق أول صاروخ باليستى عابر للقارات فى العالم، ثم أطلقت الولايات المتحدة عام 1960 أول صواريخها العابرة من غواصة بحرية، وبعد ذلك بنحو 20 عاماً دخلت الصين هذا السباق.
وفى الحرب العراقية الإيرانية طور صدام حسين الصاروخ السوفيتى «سكود»، الذى يبلغ مداه 300 كم لصاروخ الحسين الباليستى، الذى بلغ مداه نحو 650 كم وقصف به أولاً طهران وأصفهان ثم الرياض والدمام وتل أبيب خلال حرب الخليج الأولى، فى الوقت الراهن تعد صواريخ «سجيل» التى يصل مداها إلى 2000 كم، وصواريخ «خور مشهر» التى تصل إلى 3000 كم من أبرز الصواريخ الباليستية الإيرانية، كما تعد «Arrow 3» المنظومة الخاصة باعتراضها خارج الغلاف الجوى لإسرائيل، أما «Arrow 2» فهى مختصة باعتراضها داخل الغلاف الجوى. تمتلك إسرائيل أيضاً صواريخ أريحا البالستية، وقد أطلقتها تيمناً بالمجزرة الكبرى على بنى إسرائيل قديماً، تم إطلاق «أريحا 1» نهاية الستينات ووصل مداه لأكثر من 500كم، أما «أريحا 2» فقد وصل مداه فى التسعينات لنحو 1300 كم بينما تفوق «أريحا 3» عام 2008 ووصل إلى 7000 كم.
أما «الشيطان 2» الذى ظهر أمام الكرملين فى استعراض روسيا العسكرى بعد حرب أوكرانيا فيعد الأبعد مدى بين الصواريخ العابرة للقارات، والقادر على الوصول لأمريكا وحمل 10 رؤوس نووية، وبوسعه تدمير دول بأكملها، مثل بريطانيا وفرنسا، وفى العام الماضى أعلن الجيش الأمريكى أنه اختبر بنجاح الصاروخ «مينتمان 3» العابر للقارات فى صحراء كاليفورنيا، وأكد أن الاختبار روتينى وليس له علاقة بالأحداث الجارية، تجنباً للتصعيد مع روسيا فى أوكرانيا ومع الصين فى بحرها الجنوبى.