ناصر عبدالرحمن يكتب: أكتوبر حيّ

يدور بالتاكسى من حى إلى حى، ركبت مع عم حسين فى منتصف السبعين.. كانت ابتسامته تسبق الطريق، كانت نظرته تضىء الليل، كان مرحاً يتحدث بوقار، سألته: «أجاب عيد ميلادى اليوم، 6 أكتوبر عيد ميلادى، ولدت يوم عبور قناة السويس، ولدت يوم رُدت أرضى، ولدت يوم انتصار أكتوبر»، فتح عم حسين درجاً فى تابلوه السيارة، أخرج زجاجة قديمة ذات لون تمتلئ بالرمال، فتح غطاء الزجاجة كأنها زجاجة مسك، قال: «هذه رمال سيناء منذ حرب 73»، رمال تمتزج بدماء أصحابه من الجنود قال: «أنسى الطعام وأنسى الشراب ولا أنسى من عبروا معى القناة»، عم حسين تدمع عيناه وهو يغلق زجاجة ذكريات، ويبتسم ويفاجئنى: «لم تنتهِ الحرب ولم ينتهِ الانتصار ولن ينتهى تكتلنا فى الدفاع عن كل حبة رمل فى أرضنا»، قال: «ابنى ضابط يحمى الحدود»، ويشير إلى صورة ابنه معلقة حول مرآة السيارة الأمامية، قلت: «البلاد حولنا مشتعلة»، قال: «نحن ورثنا من أكتوبر النصر ومن يحمى وطنه لا يخشى أحداً»، قلت: «صدق رسول الله (.. إن فيها خير أجناد الأرض.. لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة).

نعم والله هكذا المصرى فى رباط مهما اشتعلت النيران حوله قادر على حماية حدوده، أكتوبر حىّ وورث من جد إلى أب إلى ابن، أكتوبر فى دماء المصرى، هكذا يولد وهكذا يحب وهكذا يحمى، جيشه من أهله وأهله من الجيش، ضابط وجندى جار وأخ وصديق، فى المدينة أو الريف فى رباط إلى يوم الدين.. توقف تاكسى عم حسين ونزلت ولسانى يهنئه على عيد ميلاد مصر يوم أكتوبر الحىّ.