30 يونيو.. وبداية صعود الوطن بعد الانهيار (1-2)

على السلمى

على السلمى

كاتب صحفي

كان 30 يونيو 2013 هو الموعد الذى حدده المصريون لنهاية حكم مرسى وجماعته من الأهل والعشيرة، وتحققت الإرادة الشعبية بانحياز القوات المسلحة إلى قرار أصحاب الوطن، وكانت نهاية حكم الاستبداد والجهالة والأفكار الظلامية فى الثالث من يوليو بإعلان القائد العام للقوات المسلحة خارطة المستقبل واختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً مؤقتاً للجمهورية، وفى مناسبة ذكرى الثلاثين من يونيو، من المفيد استرجاع العوامل التى أسهمت فى تدهور الأوضاع فى مصر ليس فقط أثناء حكم الجماعة الإرهابية، ولكن على مدى السنوات الستين منذ 1952 لكى يتذكر أبناء مصر وينتبهوا إلى عدم تكرار تجارب الفشل الوطنى عبر السنوات الماضية، ويتجنبوا أسباب تدهور البلاد فى جميع المجالات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً وثقافياً ورياضياً وفنياً، وانتشار ثقافة الجهالة والتخلف وانهيار مركز مصر كقوة عربية وأفريقية وإقليمية، وكدولة فاعلة على المستوى الدولى. تفشل الأوطان وتنهار بفعل مجموعة عوامل اجتمعت كلها لتعمل على انهيار مصر، بداية من اختفاء الحكم الديمقراطى وسيطرة الديكتاتورية وحكم الفرد والانفراد باتخاذ القرارات المصيرية دون اعتبار لحقوق شركاء الوطن فى مناقشة تلك القرارات، وتلك هى سمات الحكم غير الرشيد الذى يعتمد على قيادات تنقصها الكفاءة والقدرة السياسية والإدارية فى مختلف مؤسسات الدولة، وهم «أهل الثقة» الذين يضمن الحكام ولاءهم بغض النظر عن الولاء للوطن، وما نكسة 1967 إلا نتيجة لهذا النمط فى الحكم، ثم كان تقييد الحريات والتضييق على القوى المجتمعية والأحزاب السياسية، وتزييف الإرادة الشعبية وتشكيل كيانات برلمانية غير معبرة عن أهداف وتوجهات الملايين من أصحاب الوطن الحقيقيين، ومن ثم كان عزوف المواطنين عن المشاركة فى الانتخابات والاستفتاءات، ناهيك عن التلاعب بالدستور وتغييره ثم تعديله، وفى جميع الأوقات كان معطلاً عملياً، فضلاً عن أسلوب الاستفتاء على اختيار رؤساء الجمهورية الذى كان نظاماً أقرب للتعيين منه إلى نظام ديمقراطى للانتخاب. ثم كان الصراع بين الحكام فى مراحل ما بعد 1952 سبباً رئيسياً فى تكريس حكم الفرد، فقد بدأت حركة الجيش فى يوليو 52 التى ساندها الشعب بمجلس لقيادة الثورة من ثلاثة عشر عضواً كان رمزهم اللواء محمد نجيب وانتهى المجلس إلى التفكك واحتجاز نجيب فى الإقامة الجبرية حتى وفاته، واستمر نزيف أعضاء المجلس حتى انتهى بواحد هو عبدالناصر، كما بدأ عهد السادات والقيادة الجماعية هى السمة الظاهرة على السطح، ولكن الصراع على القمة كان يجرى فى الخفاء ونشأت أزمة مراكز القوى وتبعها ما سمى بثورة التصحيح فى مايو 1971 وانتهى الأمر بالسلطة لواحد هو السادات، كما بدأ عهد مبارك بالدعوة إلى الاصطفاف الوطنى وتم الإفراج عن المعتقلين من الساسة وأساتذة الجامعات والصحفيين وغيرهم، واستقبلهم مبارك بمقر الرئاسة، ثم انتهى نظام مبارك وهو الوحيد على القمة ومشروع توريث ابنه رئاسة الجمهورية يطرق الأبواب بشدة، وكان عصر مرسى شاهداً على عزل الجماهير وإقصاء أغلبية المواطنين عن المشهد السياسى وتركيز الحكم والسلطة لجماعة الإخوان والعمل جهد الطاقة لتمكين الأهل والعشيرة من مفاصل الدولة ونشر الأخونة فى جميع مؤسساتها. وما زاد الطين بلة، إخفاقات وأخطاء العام الأول والوحيد لحكم محمد مرسى، إذ ما لبث بعد انتخابه رئيساً للجمهورية أن وضع نفسه فى خدمة أهداف الجماعة فقد وضح أن «الرئيس المنتخب» قد تجاهل الثورة وأهدافها وشبابها الذين تراكمت عليهم الاتهامات بالعمالة وتنفيذ أجندات أجنبية، كما تعرضوا لسيل من الاتهامات فى بلاغات كان أنصار «الرئيس المنتخب» يقدمونها للنيابة العامة، وقد تمثلت خطايا نظام مرسى فى العديد من المشكلات الدستورية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية كانت جديرة بالإجهاز على ما تبقى من كيان الوطن، لولا تفجر ثورة 30 يونيو، لقد عاشت مصر سنة كئيبة تراكمت خلالها أزمات الفشل فى إدارة ملف مياه النيل، وافتقاد الأمن فى سيناء مع تمكين الجماعات الإرهابية التكفيرية الموالية لجماعة الإخوان من السيطرة على الموقف هناك، والتهديد البالغ الخطورة للسلطة القضائية وسيادة القانون، والعداء السافر للمحكمة الدستورية العليا فى أعقاب الحكم بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشورى وتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور وقانون الطوارئ فيما قرره لرئيس الجمهورية من سلطات استثنائية! ومن بين خطايا حكم مرسى قضايا هى موضوع محاكمته الآن، وقد صدرت ضده أحكام بالإعدام والسجن المؤبد فى بعضها، منها صمته على واقعة هروبه وأعضاء جماعته من سجن وادى النطرون بمساعدة حركة حماس، وجريمة الاعتداء على المتظاهرين السلميين أمام الاتحادية، والسماح بحفر الأنفاق بين سيناء وغزة، وإصدار قرارات رئاسية بالعفو عن إرهابيين، فضلاً عن خطيئة الإعلان الدستورى «غير الدستورى»! ومن عوامل انهيار الأوطان- ومصر خير مثال- تفتت القوى السياسية وتشرذم الأحزاب وافتقادها الرؤى الوطنية والقدرة على حشد الجماهير للدفاع عن مصالح الوطن، فضلاً عن الانتهازية والوصولية التى يتمتع به كثير من قادة تلك الأحزاب ومحاولتهم التقرب من الحكام والحصول على رضا الأجهزة الأمنية فى ذات الوقت الذى يمارسون فيه تمثيليات البطولة والوطنية وادعاء المعارضة. ومن أخطر ما يصيب الأوطان هو تحالف المال مع السلطة الحاكمة ومصر قد أصابها الكثير جراء هذا التعاون الآثم بين مجموعة من رجال الأعمال وبين الحكام، فقد سيطر رجال أعمال نهمون إلى السلطة والسيطرة من خلالها على مقدرات الوطن الاقتصادية، ووطدوا علاقاتهم بالسادات ومبارك واحتلوا مراكز مؤثرة فى الحزب الوطنى الحاكم ولجنة السياسات التى أسسها جمال مبارك، وكان لهم الرأى النافذ فى توجيه سياسات الخصخصة ومجمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يحقق مصالحهم. كانت هذه صورة مصر، حتى طلع فجر الثلاثين من يونيو ليبدأ الوطن مسيرته نحو الصعود بعد الانهيار، وإلى الأسبوع المقبل بإذن الله.